بصفتي طالبة تصميم أزياء، دايم نظرتنا كطلاب تروح لأبعاد أعمق وأدق في القطعة، نتأمل الهيكل المعقد، هندسة الباترون، والجهد الخفي اللي ممكن المتسوق العادي يمر عليه بدون ما ينتبه للتفاصيل.

ولما يجي سبتمبر في هونغ كونغ، أشوف إن عروض «سنترستيج» (CENTRESTAGE 2026) تاخذ الموضة لمكان ثاني كلياً؛ تبعد عن التجارة السريعة والقطع الجاهزة المستهلكة، وتركز على أفكار طليعية تجمع بين التراث الشرقي والاستدامة التقنية، وتقدم قطع تفرض عليك توقف وتتأمل البناء الهندسي والحرفة اللي وراها.

من الدور اللي لفتت نظري بشكل خاص علامة Z I D I اللي اشتغلت على فلسفة انعدام الوزن بأقمشة خفيفة وهندسة داخلية تعطي إيحاء وكأن القطعة تطفو على المسرح.

Z I D I

وفي نفس السياق، يبرز المصمم Angus Tsui اللي فكك تراث سينما هونغ كونغ بالثمانينات وأبدع في مجموعة (GIGER Vol. 2) برؤية مستقبلية، حيث اعتمد في معطف الجلد النباتي على بنسات عميقة ودرزات متداخلة.

Angus Tsui

أما KIT WAN STUDIOS فتجاوزوا الحدود بين الموضة والفن الأدائي بمعطف نحتي مصنوع من معادن معاد تدويرها، وكان درس حقيقي في الجدوى التقنية وبناء هيكل يشيل المعادن بنفس انسيابية القماش.

KIT WAN STUDIOS

وأخيرا قدمت علامة 112 mountainyam مجموعة «دوبامين هونغ كونغ» بدمج ذكي بين الطابع الرياضي وجودة الخياطة، ليثبتوا إن الألوان القوية تقبل التطبيق بدون ما نفقد فخامة الباترون.

112 mountainyam

إلى جانب علامة phenotypsetter اللي أعادت تعريف ملابس الشارع الحضري بحرفية دقيقة وسرد مفاهيمي عميق.

phenotypsetter

أتوقع إن السبب الحقيقي وراء بروز هذا التنوع الثقافي في هونغ كونغ يتجاوز فكرة التمرد الشكلي، كون المدينة نقطة تماس تاريخية وصناعية بين الشرق والغرب، وهذا الاحتكاك دفع المصمم الشاب إنه يتخذ الموضة كأداة لبناء هويته، فياخذ تراثه ويفككه بروح مستقبلية ترفض التكرار.

ولما نسقط هذه التجربة على مشهدنا السعودي، نلاحظ إننا نملك كل المقومات من إرث ثري وذائقة عالية ودعم كبير، لكن من وجهة نظري، نحتاج خلق «مساحات تجريبية» تعزل المصمم عن ضغط السوق والإنتاج التجاري السريع، لأن الإبداع ينمو لما نعطي المبدع رفاهية المخاطرة ودراسة الخامات.

تماماً مثل ما تنبنى الأسماء الكبيرة في الرياضة عبر البطولات الجامعية اللي تصقل مهارة اللاعب قبل الاحتراف، أرى إن الأزياء تحتاج ميادين مشابهة وحاضنات تعطي المصمم الشاب فرصة يختبر فيها الباترون ويدمج الخامات بعيداً عن حسابات الربح السريع.

وعلى نفس هذا النهج الحر، شهدنا في أسبوع الرياض للموضة 2025 تجارب سعودية أراها قدمت البناء الهيكلي والفكرة على أي شيء ثاني، مثل KAF BY KAF و Cargo.

في تصميم KAF BY KAF، قدمت المصممة كوثر الحرعش بالتعاون مع المصور عبدالعزيز الشمري حواراً بين التكنولوجيا والطبيعة عبر «توب» بقصة صلبة يحمل صورة فوتوغرافية مع تنورة بملمس ثلاثي الأبعاد مستوحى من نباتات الأرض ليتجاوز المفهوم مجرد الطباعة إلى مشهد حي.

KAF BY KAF

وفي تجربة أخرى تخدم أسلوب الشارع والتفكيك من CARGO ، برز معطف الشبك الأخضر الثقيل فوق «هودي» وقبعة ليخلق طبقات لافتة بدون تكلف.

CARGO بعدسة الثقافية

كما أن المجموعات بالدرجات الأرضية قدمت جرأة عالية عبر دمج مشد «الكورسيه» الحاد فوق معطف منفوخ (Puffer) محاط بحبال سميكة تعطي كتلة درامية وحرفة بطيئة واضحة، بينما ركزت معاطف الخام المعتق بالياقات المتداخلة والقصات العريضة على الملمس والطبقات المعقدة.

CARGO بعدسة الثقافية

في اعتقادي الشخصي، الإبداع أحياناً ما يظلمه ضعف الفكرة بقدر ما تظلمه السطحية في التغطية الإعلامية اللي تركز على العروض الصاخبة وتتغاضى عن التفاصيل، لذلك أحس إننا بحاجة لإعلام يبسط ويشرح البناء الهيكلي للقطع عبر المنصات الرسمية لأسبوع الرياض للموضة عشان ما يفوت الجمهور الفن الحقيقي.

وحتى ما تظل هذه الأفكار حبيسة منصة العرض، أرى أن من الأنسب التفكير في اقتراحين عمليين؛ الأول هو إمكانية تنظيم معارض مفتوحة بعد نهاية كل موسم ينزل فيها الجمهور والمشترون لمعاينة جودة القماش والباترون عن قرب مما يفتح للبراندات المستقلة سوق أكبر.

والاقتراح الثاني هو تدشين موقع إلكتروني مرجعي يجمع أرشيف العروض بفيديوهات عالية الدقة مع روابط مباشرة وحسابات التواصل للبراندات، بحيث يسهل على الزبون الوصول للقطعة اللي عجبته بكل سهولة، ونضمن للمصمم تحويل الفن المفاهيمي لمسار تجاري مستدام يوصل تصاميمه لشريحة أوسع.