تتذكرون شنطة القلب الحمراء من «ألآيا» (Alaïa)؟ كيف فجأة صارت بكل مكان وكل الإنفلونسرز صوروها، وبعد شهر واحد بس اختفت تماماً وصارت تعتبر موضة قديمة ومستهلكة؟

هذا السيناريو صار يتكرر كل أسبوع. باترن البولكا دوت، وحتى ترند الفيونكات على كل شي، ووصلنا لطبعة الغزال حاليًا. دورة حياة القطعة اللي كانت تعيش مواسم كاملة صارت تنتهي في أسابيع. واللي ما يلحق يشتري الهبة ويصور فيها بأول شهر، يلقى نفسه لابس قطعة انتهت صلاحيتها وطلعت من السوق قبل ما يحلل قيمتها.

الاحتراق الإبداعي مو مجرد إجهاد بدني أو تعب ذهني، هو حالة تكبيل تصير لما تجبر المصمم أو المبدع إنه ينتج بوتيرة آلية بدون مساحة للتأمل، أو البحث، أو التغذية البصرية. الموضة أصلها حوار وثقافة وهندسة، لكن لما تنحكر وتصير مجرد سباق لتلبية خوارزميات السوشيال ميديا، يتلاشى البعد الفني وتتحول التصاميم إلى نسخ بألوان مختلفة.

لما يضمر الابتكار لمتطلبات الإنتاج السريع، وتتحول الذائقة الشخصية إلى مجرد اتباع تلقائي لما يمليه السوق، نبدأ نفقد المعنى الحقيقي للإبداع. نشتري لمجرد فكرة اننا "نشتري"، ونندم بعد ماتوصل المنتجات انها ماكانت تستاهل.

وهذا تماماً ما عبّر عنه المصمم «مارك جايكوبس» في مقابلة «بزنس اوف فاشن» لما تكلم عن أزمة السرعة في الموضة؛ كيف إن النظام اليوم يسلب المصممين أهم شيء يحتاجه الإبداع، وهو الوقت. الإبداع يتغذى على التمهل والمساحة والبحث، ولما تحرم المبدع من هذه المساحة وتطالبه بإنتاج مستمر، يتحول الفن إلى آلة، ويحل الاحتراق محل الشغف.

هذا الركض المستمر نحو الإنتاج السريع يقف خلفه دافع أساسي يتمثل في التركيز على العائد المادي، حيث صار يُطلب من القطعة أن تدر ربح فوري أكثر من كونها تعبير عن تصور المصمم الفني. طبيعي يكون السوق هو مصدر الدخل، لكن المسألة تتطلب «وزنية» ذكية.

إعطاء السوق ما يريده فوراً أسهل بكثير من بناء خط فني يستهدف فئة معينة، لكن الاستثمار في هوية واضحة يبني ربحية مستدامة وعمراً أطول للعلامة يتجاوز دورة الترندات اللحظية.

وحتى نكون موضوعيين، يمكن للربح السريع والإنتاج الواسع أن يكون الخطوة الأولى و أداة لتمويل الإبداع؛ ولنا في علامة «إتش آند إم» (H&M) مثال، لما استخدمت مبيعاتها الجماهيرية لتمويل خطوط أزياء متقدمة رفعت فيها من جودة الخامات والتصاميم، وورتنا

أن العائد المادي يمكن أن يُسخر لخدمة الرؤية الفنية على المدى البعيد.

لكن، الإنهاك مو بس عند المصمم، الإنهاك طال المستهلك والمتلقي نفسه. صرنا نعيش في حالة تسليم كامل لما يُعرض علينا، التيكتوك وخوارزميات السوشيال ميديا برمجت عقولنا على استهلاك المحتوى في ثواني، وهذا الاستهلاك السريع انتقل لا شعورياً لطريقة شرائنا. صرنا نمل بسرعة خيالية، وصار عندنا جوع مستمر لأي شيء جديد يكسر الملل.

وغاب التساؤل الأساسي اللي المفروض كل شخص يسأله لنفسه قبل يتبنى أي قطعة: هل هذا الشيء يعبر عني فعلاً ومناسب لهويتي؟ ولا أنا لابسه لمجرد إنه الخيار الأسرع والمقبول في الساحة اليوم؟

استسهلنا الاتباع لأن البحث عن أسلوب شخصي يتطلب رفاهية وقت الأغلب ما يملكها في ظل سوق العمل. الاستسلام لما تفرضه الشاشة أسهل بكثير من بناء أسلوب مستقل، ونسينا ذوقنا الخاص في سبيل شعور وهمي بالانتماء للمجموعة. النتيجة كانت إننا صرنا نشوف الجميع يرتدي نفس القطعة، ونفس القصات، ونفس الملامح.

بعيداً عن صخب الترندات المستهلكة، ينهض المشهد السعودي على أسماء تؤمن ببطء الحرفة وعمق الفكرة؛ فتأخذنا تربة ستوديو إلى عوالمها المفهومية الداكنة، بينما تعيد أباديا صياغة الاستدامة بمعاطف تبرز السدو، ويقدم قرمز تفكيكاً يقرأ الرموز التاريخية بأسلوب معاصر. وفي حين تشتغل أتيليه حكايات على دراما البناء الهندسي واحتفاء الجسد، تتألق تيما بصياغة فنية بطيئة ومتفردة، وتبرز ريبيرث ذكائها في إعادة هندسة الباترون للقطع اليومية والرياضية بروح تعيش طويلاً في الأرشيف الشخصي.

لما تشتري قطعة انصنعت بوعي وشغف حقيقي للحرفة، أنت ما تضيف مجرد ملابس إضافية لخزانتك، أنت تتملك جزءاً من القصة وفكر أخذ أشهر من البحث والتطوير.

في النهاية، الخروج من فوضى الاستهلاك السريع لا يتطلب الانقطاع عن الموضة، بل يتطلب العودة إلى الوعي؛ أن نتوقف عن معاملة أزيائنا كمجرد صور عابرة في الشاشة، ونعيد لها قيمتها كفنيات تُقتنى، وحكايات تُعاش. 

الأسلوب الشخصي الحقيقي ليس مجرد اتباع لما هو دارج، بل هو موقف فكري ينحاز للحرفة، ويرفض اختزال ذائقتك في خوارزمية مؤقتة. وعندما نختار قطعنا بمهل، ونستثمر في أسماء تصنع بوعي وأصالة، فنحن لا نبني خزانة تدوم لسنوات فحسب، بل نسترد حريتنا في التعبير عن أنفسنا بصدق وثبات.