بقلم: محمد يوسف
من الصعب جدًا أن تتحول علامة تجميل أسستها شخصية مشهورة في الشرق الأوسط إلى علامة يتردد عليها العملاء بعد التجربة الأولى، فهذه الصناعة أعقد بكثير مما نتخيّل ولها حيتانها المفضلين. في صناعة التجميل، نحن غالبًا لانعرف سوى ما يقدِّمه المنتج عن نفسه، مثل وزنه ومكوّناته وسعره وما يعد به النساء من شعور ومظهر نهائي، ولكن الرحلة بين ولادة الفكرة ووصولها إلى المتاجر تبقى غالبًا غير مرئية، حتى مع محاولة المستهلكين لمعرفة العلامات التي تتعامل مع نفس المصنع واكتشاف البديل الأفضل، أو لنكون أكثر دقة، الأرخص.

تزداد أهمية فهم هذه الرحلة اليوم من منظور سعودي، لأن المنتج لا يصل إلى سوق صغير أو هامشي، وإنما إلى واحد من أكبر أسواق الجمال في المنطقة، حيث تُقدِّر مؤسسات أبحاث السوق قيمة قطاع الجمال والعناية الشخصية في السعودية بنحو 8 مليار دولار، مما يجعل المملكة أكبر سوق للجمال في الخليج. وينعكس هذا الحجم على مشهد التجزئة؛ إذ تدير «سيفورا» و«وجوه» شبكتين واسعتين من الفروع في أنحاء المملكة، بينما تستعد «ألتا بيوتي» لدخول الرياض وجدة. ولكن المنافسة على المستهلك السعودي لم تعد حكرًا على الأسماء الكبيرة، فقد ظهرت في السنوات الأخيرة علامات تجميل سعودية بدأت تتحوّل من مشروعات محلية إلى منافسين إقليميين، بل وصل بعضها إلى المتاجر العالمية. وهذا يعني أننا نواكب اليوم بداية تحوّل السوق السعودي من سوق يكتفي باستيراد منتجات الجمال واستهلاكها إلى سوق يبني علاماته، أو حيتانه الخاصّة، ويصدّرها للخارج.
من بين العلامات السعودية التي تعبّر عن هذا التحوّل هي «مونقليز»، التي أسستها خبيرة التجميل يارا النملة، ولاقت خلال فترة قصيرة نجاحات متتالية صاحبها زخم إعلامي و جماهيري؛ حيث انتقلت من البيع المباشر عن طريق موقعها الإلكتروني إلى كونها أول علامة تجميل سعودية تدخل «سيلفرجدز» في لندن، ومن ثمّ مجددًا، أول علامة تجميل سعودية تدخل «سيفورا» الشرق الأوسط. تقول لي يارا النملة: «أعتقد أنه من أكثر الأشياء التي من ممكن أن تكون غير واضحة في صناعة التجميل، هي أن تكلفة المنتج لا تقتصر فقط على تكلفة التركيبة الموجودة داخل العبوة.» مشيرةً إلى رحلة تكوين مستحضرات التجميل وما يسبق عملية الإنتاج، وتُكمل: «تبدأ الرحلة من الفكرة والمشكلة التي يحلها المنتج، وبعدها تطوير التركيبة والعينات والاختبارات، وأحيانًا جولات كثيرة جدًا من التعديل وإعادة التطوير.»

ولا تمر جميع المستحضرات بالمراحل التطويرية نفسها أو بطريقة العمل ذاتها. فتطوير الدرجات المختلفة في مستحضرات البشرة، بحسب ما تقوله النملة، يمثّل عمليةكبيرة بحد ذاته. وتشرح: «لا نختار اللون ثمّ ننتقل للدرجة التي تليها فحسب؛ إذ يجب أن نراجع الدرجة التحتية(الأندرتون) لكل درجة، إلى جانب القوام والثبات وطريقة ظهورها على البشرة، ونتأكد من اتساق الأداء بين جميع الدرجات.» وبشكلٍ دقيق تتطرق أيضًا إلى العمليات التي تأتي غالبًا بعد الوصول إلى المنتج النهائي، وتقول: «هناك تطوير التغليف واختيار المكونات والتصميم إلى جانب اختبار توافق العبوة مع التركيبة. ومن ثمّ التسجيل والمتطلبات التنظيمية لكل سوق وفحص الجودة والشحن والجمارك والتخزين والتوزيع.»
«مونقليز» ليست أولى مشاريع النملة في الجمال، فلديها أيضًا «تريت» للعناية بالبشرة و«تينكا» لطلاء الأظافر، وتندرج جميعها تحت شركتها «و.م.م.». تجمع بين هذه العلامات فلسفة موحّدة ترتكز على أسلوب الحياة السليم والمظهر الندي وسهولة الاستخدام، وهو ما تستطيع ملاحظته بسهولة في أسلوب حياة النملة كمؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
تتشارك هذه العلامات كذلك في تصنيع بعض المنتجات في كوريا الجنوبية، وتقول النملة عن اختيار كوريا لتصنيع منتجات"مونقليز" تحديدًا: «اخترنا كوريا لأننا كنا منذ البداية واضحين جدًا بشأن نوعية التركيبات والجودة التي نرغب بتقديمها.» وتُكمل: «كوريا اليوم تمتلك واحدة من أكثر منظومات تصنيع مستحضرات التجميل تطورًا، خصوصًا في الابتكار في التركيبات، والدمج بين المكياج والعناية بالبشرة.» وفي حديثها، حرصت النملة على توضيح أن اختيارها لكوريا لم يكن لمجرّد الاستفادة من السمعة والمصداقية المصاحبة لشعار «صُنع في كوريا»، وإنما جاء بناءً على احتياجات كل منتج وملفه التفصيلي، ووضعت أمامي كل الأسئلة التي تطرحها قبل تحديد مكان التصنيع، مثل: «ماذا نريد منه؟ كيف يكون ملمسه؟ الشعور النهائي؟ الأداء؟ المكونات؟ الدرجات؟ وحتى كيف نريده أنه يكون على البشرة بعد ساعات من الاستخدام.»
عندما سألتها عما إذا كان التصنيع في كوريا يأتي مع تكلفته الخاصة مقارنةً بالدول الأخرى، قالت لي: «بالتأكيد توجد خيارات تصنيع أقل تكلفة في السوق، لكن قرارنا لم يكن يومًا مبنيًا على البحث عن أقل تكلفة ممكنة. نحن نبحث عن الشريك والمصنّع الأنسب لكل منتج، وعن الجودة والتجربة التي نرغب أن يربطها المستهلك باسم مونقليز.» ولا تتعامل العلامة مع التصنيع في كوريا كقاعدة ثابتة لجميع منتجاتها، إذ تؤكد النملة: «ليس بالضرورة أن تُصنّع جميع منتجات مونقليز في المكان نفسه. نبحث عن المكان الذي يمكن أن نصنّع فيه كل منتج بأفضل صورة، وعلى هذا الأساس نختار.»
لم تكن النملة، أو «بنتنا» كما يحب كثيرون تسميتها كلما ظهرت على منصة عالمية، مجرّد شخصية إنترنتيّة اختارت أن تستثمر في قطاع الجمال لكونه الأقرب لمحتواها، فهي منذ سن مبكرة بدأت تعمل كفنانة تجميل (ميك أب أرتست) بجدول أعمال ممتلئ، وفهمت نتائج التركيبات وحركة المنتجات على البشرة وما يمكن أن تغيّره في شعور العميلة نفسها، حتى انتقلت تدريجيًا إلى تأسيس «مونقليز»، المستلهم اسمها من كلمة «قمر» التي تستخدم لوصف المرأة الجميلة في الثقافة العربية، وتعكس كلمة «قليز» ضمنيًا تركيز العلامة على المظهر المشرق والندي.
تقول لي النملة أن تأثير تلك المرحلة كان كبير ولايزال مُستمرًا معها، وتشرح: «أصبحت أسأل عن أشياء قد لا يفكر بها المستهلك بنفس الطريقة، مثل كيف سيكون ملمس المنتج؟ وهل هو مريح؟ وكيف سيكون بعد ساعات؟ وهل سيناسب اللون أكثر من نوع بشرة فعلًا؟ وهل ستستمتع المرأة باستخدامه أم فقط سيعجبها شكله؟» وعلى الرغم من أن هذه الصناعة تقوم على الكثير من الأسئلة اللامحدودة، كانت للنملة إجابة واضحة لم تتردد في تقديمها كقناعة شخصية قبل أن تكون استراتيجية تجارية: «بالنسبة لي، المنتج الممتاز يبدأ من فهم المرأة، وليس من محاولة بيعها شيء.»
«مونقليز» أيضًا تدرّجت من كونها علامة تبيع منتجاتها على موقعها الإلكتروني إلى أول علامة تجميل سعودية تدخل «سيلفردجز» في لندن و«سيفورا» الشرق الأوسط، وتقول لي النملة أنه مع هذه القفزة «كل شيء يتغيّر.» مشيرةً إلى تجربة العميل والتخطيط للمخزون. ولكن أيضًا معرفة الجمهور بالعلامة تغيّرت وأصبحت أكبر بكثير مما كانت عليه، خصوصًا أن تواجدها في «سيفورا» أتاح للمترددين فرصة التجربة قبل الشراء، كما يمكنك أن تلاحظ، في مواقع التواصل الاجتماعي، الطريقة التي ازداد بها حديث المستهلكات الخليجيات عن العلامة ومطالبة بعضهن بوصول المنتجات إلى منطقتهن. ولندن بدورها ساعدت على ظهور مراجعات غير مدفوعة باللغة الانجليزية على التيك توك، فضلًا عن زيادة اهتمام الصحف والمجلات، سواءً العالمية أو النسخ العربية منها، بتغطية قصتها ونشر أخبارها. تقول النملة: «اليوم، هناك عملاء يكتشفون مونقليز على رف أحد المتاجر، وقد لا يعرفون من هي يارا النملة. أن يرى أحدهم المنتج ويجرّبه، ثم يقرر شراءه لأن المنتج نفسه أقنعه، فهذا بالنسبة إليّ نجاح مهم جدًا.»
ولكن سهولة وصولك إلى المنتج عن طريق أقرب فرع من «سيفورا» لا يوازي سهولة وصول العلامة نفسها إلى المتجر، تقول النملة: «عندما يكون البيع مباشر عن طريق موقعك، أنت تتحكم في أغلب رحلة العميل. لكن عندما تدخل متاجر كبيرة مثل سيلفردجز وسيفورا، فهي ليست فقط قناة بيع جديدة؛ أنت فعليًا تبني بنية تشغيلية مختلفة للعلامة.» وتُكمل: «حتى تخطيط المخزون يتغير تمامًا. فنفاد منتج من موقعك الإلكتروني يختلف كثيرًا عن مسؤوليتك عن توافره في عدة فروع وأسواق في الوقت نفسه. تبدأ التخطيط للإنتاج قبل وقت أطول، وتحتاج إلى تنبؤ أدق بالطلب، إلى جانب أنظمة وفرق أقوى.» وبالنسبة للنملة، تعتبر هذه القفزة من أهم مراحل تطوّر العلامة، حيث تشرح: «لم يقتصر توسعنا على نقاط البيع؛ فقد كان علينا أيضًا بناء البنية والأنظمة التي تمكّن العلامة من العمل بهذا الحجم والمستوى.»
ولكن هناك تكلفة تأتي مع التواجد في رفوف كبرى المتاجر قد لا ترصدها الحسابات التشغيلية ولكن حسابات مواقع التواصل الإجتماعي دائمًا ما تلتقطها، وهي الناتج عن منافسة الحيتان، أو علامات التجميل الضخمة. «مونقليز» تبقى سعودية في المقام الأول، ومع ارتباطها المتتالي بإنجاز «أول علامة تجميل سعودية»، وربط مؤسِّستها نجاحها بمنح العلامات المحلية اعترافًا عالميًا، أصبح التمثيل السعودي متوقعًا منها بشكلٍ كبير. أسأل النملة عن الطريقة التي توازن بها بين تمثيلها السعودي مع خطابها العالمي، وتجيب: «لا أرى أن الهوية السعودية والوصول العالمي شيئين يجب أن نوازن بينهما.» وتُكمل: «دائمًا سيكون للمواهب السعودية حضور مهم جدًا في مونقليز. لدينا اليوم جيل سعودي مبدع بشكلٍ استثنائي، ومن الأشياء التي تهمني، أن يرى العالم هذا الإبداع من خلال العلامة بكل ثقة وفخر.»
تلخص لي النملة مفهومها عن العالمية بجملة دقيقة: «الوصول للعالمية هو أننا نأخذ هويتنا معنا وندعو جمهور أكبر لاكتشافها.» فالهوية السعودية، في تصورها، هي العمود الفقري لهذا المشروع الصاعد، حيث تقول: «الهوية السعودية جزء أساسي من مونقليز، وكلما توسعنا عالميًا، أريد لهذه الهوية أن تصبح أوضح وأقوى. أنا فخورة جدًا بأن علامة سعودية تستطيع دخول أسواق مختلفة، حاملةً معها جزءً من نظرتنا للجمال والإبداع والثقافة، وأن تعرّف بها أشخاصًا ربما لم يسبق لهم رؤيتها بهذه الصورة.» تنطلق النملة بوضوح من تنوع الجمال في العالم، والمفارقة أن هذا النهج لا تجده بالضرورة لدى جميع كبرى علامات التجميل رغم أن مفهوم الجمال تغيّر عبر التاريخ، ربما أكثر من المناخ. تقول لي النملة: «التنوع مهم جدًا لنا؛ فليس للجمال وجه واحد ولا جنسية واحدة ولا خلفية واحدة، ومونقليز كذلك. نريد أن نرى وجوهًا ومبدعين ومواهب مختلفة من السعودية، ومن مختلف أنحاء العالم، ما دام هناك ارتباط حقيقي بينهم وبين هوية العلامة.»
وهناك وجه اخر للمنافسة مع حيتان التجميل يتعلق بالتصنيفات وحتى الإرتباط الوجداني، فهذه العلامات الكبرى لم ترسّخ حضورها في السوق عن طريق تقديم منتجات عملية أو جميلة فحسب، وإنما ساعدها تاريخها الطويل في اكتساب ثقة العميل واستفاد بعضها من ارتباطه بالموضة الفاخرة وحياة الرفاهية، مما يجعل بعض المستهلكين يتغاضون عن السعر والحجم عند اقتنائها. هذا قد لا ينطبق بسهولة على «مونقليز»، فهي رغم انجازاتها الكبيرة في وقت قصير لاتزال تنمو وتختبر إمكانياتها، ولذلك فإن وجودها في «سيفورا» مثلًا، على قدر ما يمنحها فرص كثيرة إلا أنه أيضًا يضعها في تحديات من نوع آخر. ولكن يبدو أن النملة تعي ذلك تمامًا، وقرأت ما سيأتي من اتجاهات مختلفة وليس فقط من الأمام، حيث تقول: «لاأريد أن تكون العلامة السعودية بعيدة عن النقد أو المقارنة لمجرد أنها سعودية. فإذا كان طموحنا أن ننافس عالميًا، فعلينا أيضًا أن نتقبّل مقارنتنا على مستوى عالمي.»
استطاعت النملة، بمساعدة فريقها الذي يتكوّن في غالبيته من أفراد في العشرينيات من أعمارهم، أن تجد طريقًا يوصل علامتها إلى مساحة تتجاوز دائرة متابعيها، وهو أمر جدير بالاهتمام والملاحظة خصوصًا بين علامات التجميل التي أسستها مشهورات مواقع التواصل الإجتماعي في الشرق الأوسط. يمكنك ملاحظة ذلك من الطريقة التي تنتشر فيها المنشورات المتعلقة بإصدارات «مونقليز» في تيكتوك وإكس وانستقرام، والتي تحمل إما ملاحظات أو مراجعات أو آراء، سواءً مبنية على تجربة أو لا، وتحصد آلاف الإعجابات ومشاهدات تتجاوز أحيانًا الملايين.
أسال النملة عن تأثير هذه النقاشات وما إذا كانت تشكل أزمة أم فرصة، وتجيب بنبرة مُتصالحة: «النقاش في حد ذاته ليس أزمة، بل على العكس، هو جزء طبيعي من نمو أي علامة ووصولها إلى شريحة أكبر. عندما تبني شيئًا جديدًا، خصوصًا في سوق كبير مثل التجميل، فمن الطبيعي أن يطرح الناس الأسئلة وتبدأ المقارنات، وأن تكون لديهم آراء قوية.»
لكنها تستطيع أيضًا، أثناء الاستماع إلى هذه الآراء، فرزها ومعرفة الفرق بينها، فتطوّر ما يحتاج إلى تطوير وتوازن ذلك بالثقة في قراراتها والأسباب التي دفعتها إليها، إذ تدرك النملة أن الإنتشار دائمًا ما يأتي ومعه النقاشات والانتقادات. تُكمل اجابتها وتقول: «من الممكن أن تكون بعض الملاحظات مهمة فعلًا ونستفيد منها، وقد ينتج بعضها عن عدم معرفة جميع التفاصيل التي تجري خلف هذه الصناعة، وقد يعكس بعضها الآخر تفضيلًا شخصيًا. ودورنا كعلامة هو أن نعرف كيف نفرّق بينها. وأرى أن وصول العلامات السعودية إلى مرحلة تحظى فيها بهذا القدر من النقاش أمر إيجابي.» وبشكلٍ عام، الملاحظات لم تكن يومًا ما أمرًا جديدًا عليها، فحتى عندما كانت تعمل كفنانة ميك أب، كانت تسجّل ملاحظات عميلاتها. تقول لي أنه من أهم الدروس التي أخذتها معها إلى «مونقليز» هي ملاحظتها للاختلاف بين النساء: «كل امرأة تجلس أمامك لها بشرة مختلفة وملامح مختلفة وذوق مختلف وطريقة مختلفة في رؤية نفسها.» وتُكمل: «أحيانا تكون أبسط الملاحظات التي تقولها لك امرأة أمامك أهم من أي شيء آخر، لأنها تذكرك أن المنتج في النهاية ليس مجرّد تركيبة أو تغليف. هو شيء سيدخل في حياة شخص حقيقي.»
ترى النملة أن «و.م.م.» صورة كبيرة التقطتها لتعكس شغف وطموح فريق من السعوديين والسعوديات، حيث تستذكر معي رحلة تأسيس الشركة الأم والطريقة التي احتاجت فيها إلى فريق يؤمن بأفكارها قبل أن يكون لديها إثباتات فعلية. قالت عن تلك المرحلة: «من المراحل التي شكَّلتني أكثر مما يتوقع الناس.» وأكملت بنبرة رئيس تنفيذي طموح: «كان معظم أفراد الفريق من السعوديين والسعوديات، وكان لذلك أثر كبير فيّ. عشت معهم مرحلة البناء الحقيقية، ورأيت عن قرب حجم الطموح والإبداع لدى هذا الجيل. أعتقد أن جزءً من مسؤوليتي اليوم هو أن أخلق بيئة تمنح الناس مساحة للتجربة والتعلّم والنمو؛ فقد كنت أنا أيضًا، في يوم من الأيام، شخصًا لا يملك سوى فكرة ويحتاج إلى من يؤمن بها.»
أستطيع أن التقط من الطريقة التي تتنقل بها أثناء حديثها من شخصية الفتاة التي أحبت الجمال في سن صغيرة إلى شخصية الرئيس التنفيذي أنها تعلمت الكثير من «مونقليز» وفريقها، حيث تشاركني بصراحة أصعب مراحل العلامة بعيدًا عن الأرقام والنتائج، وتقول بنبرة إدارية: «في البداية، وخصوصًا عندما يكون المشروع قريبًا جدًا منك، تشعر بأن عليك أن تكون حاضرًا في كل قرار وكل تفصيل. لكن مع النمو، تكتشف أن العلامة لا يمكن أن تكبر إذا ظلت مرتبطة بشخص واحد في كل شيء.» ومن ثمّ تعود إلى نبرة انسانية وشخصية، وتقول: «كان عليّ أن أتعلم الثقة بالفريق، وتفويض المسؤوليات، وتقبّل أن العمل قد يُنجز بطريقة مختلفة عن التي تخيلتها، من دون أن يعني ذلك أنها طريقة خاطئة. وكان هذا درسًا شخصيًا أكثر منه درسًا في الإدارة.»
وفي نهاية اليوم، تعرف النملة أن حضورها وجمهورها كانا خلف بداية «مونقليز» القوية، وهي تُقدّر ذلك، ولكنها لا تريد أن يرتبط نجاح العلامة دومًا بها، تقول لي: «ربما أسهم اسمي في فتح الباب الأول، لكن طموحي هو أن تكبر مونقليز لتصبح كيانًا أكبر من اسمي، وأن يعرفها الناس مع الوقت من خلال منتجاتها وجودتها وهويتها والتجربة التي تقدمها.»
تعود معي بذاكرتها لمرة أخيرة إلى طفولتها، حيث بدأت علاقتها بالجمال وأشكاله، وتخبرني أن «الفضول» واهتمامها بالتفاصيل الصغيرة هو أكثر ما بقي معها منذ ذلك الوقت، وتتذكر: «حتى علاقتي بالجمال بدأت من الملاحظة. كنت أراقب أمي وهي تستعد، وكيف تختار عطرها، وكيف تهتم ببشرتها، وكيف ممكن تفاصيل بسيطة تغيّر إحساسها في ذلك اليوم.» وهي على أية حال لم تنفصل عن تلك الطفلة حتى يصعُب العودة إليها في حوارنا، فقد كانت دائمًا، رغم اختبائها من ضغوط الصناعة، واضحة في الأجوبة ونظرتها التفاؤلية، ولكنها كشفت وأخيرًا عنها عندما قالت: «أحب الأشياء البسيطة، وأحب أن أتعلم، وأن أكون بالقرب من الأشخاص الذين أحبهم. وما زلت الفتاة نفسها التي كانت تراقب كل شيء من حولها وتتساءل عن جميع هذه التفاصيل الصغيرة.»
والدرس الإداري الذي تعملته من «مونقليز» يبدو أنه استطاع أنه يرسم لها خريطة المستقبل، تقول يارا النملة في نهاية حوارنا: «أريد أن أبني أشياء أحبها وأفخر بها. وربما تكون هذه هي الرحلة الحقيقية بالنسبة لي؛ أن أبني شيئًا من الصفر، وأعطيه كل ما أستطيع، ثم أتعلم كيف أتركه يكبر بطريقته، من دون أن أنسى الشخص الذي بدأت منه كل هذه القصة.»

فريق التحرير: دانة النعيم، غادة الناصر، أثير الحربي، هاجر مبارك، منار الأحمدي، وجدان المالكي
منسوج، نُبقيك في صدارة مشهد الأزياء السعودي