عندما تأتي كلمة «موضة» في سياق الحديث، فإن أول صورة تتبادر إلى الأذهان، الازياء العالمية التي نراها على منصات العروض. لكن، هل كل مايُصبح موضة عالمياً، يعني بالضرورة موضة في صناعة الأزياء محلياً؟
الموضات اليوم تعتبر جزء لا يتجزأ من صناعة الأزياء. فحتى أكبر دور الأزياء وأكثرها تأثيرًا من الناحية الإبداعية لا تعمل بعيداً عن توجهات السوق، إذ تترك ضمن مجموعاتها مساحة لما يتوافق مع الجانب التجاري، إلى جانب رؤيتها الإبداعية. لكن هذا الطلب ليس واحدًا في كل مكان، فلكل سوق احتياجاته ومتطلباته وخصائصه الذوقية.
يملك سوق الأزياء لدينا مواسمه الخاصة، كرمضان والأعياد، إلى جانب دورة الأزياء العالمية. ولا تؤثر هذه المواسم في «متى» نشتري فحسب، بل في «ماذا» نشتري أيضًا، وهو ما يجعل احتياجات السوق مختلفة باختلاف الموسم. ويمنحنا أسبوع الأزياء في الرياض فرصة حقيقية لفهم الرؤى الإبداعية التي تشكل صناعتنا، وكيف يخاطب المصممون والمصممات المستهلك. فالتراث والثقافة والذوق، إلى جانب عوامل مرتبطة بأسلوب الحياة كالسفر وحفلات الزفاف، جميعها تنعكس على ما نراه في المجموعات.
أخبــــار
أعلن سمو وزير الثقافة إطلاق برامج البكالوريوس والماجستير المتخصصة في الأزياء بمعهد «مارانجوني» في الرياض، مع توفير فرص ابتعاث داخلي للطلبة السعوديين تغطي الرسوم الدراسية عبر «برنامج الابتعاث الثقافي».
لقراءة تفاصيل الخبر وشروط التقديم الكاملة اضغط هنا
ويختلف كذلك نموذج العمل بين العلامات ومواعيد طرح مجموعاتها؛ فبعضها يواكب التقويم العالمي، بينما يرتبط بعضها الآخر أكثر بمواسمنا. ومع رمضان والأعياد، يصبح الأمر مختلفًا أكثر، فهذه المواسم لا تتزامن مع موسم عالمي ثابت، بل تنتقل بين فصول السنة مع مرور الأعوام. لذلك قد يتقاطع تقويم الموضة المحلي والعالمي أحيانًا، لكنهما لا يسيران بالضرورة على المسار نفسه.
ولا يقتصر الاختلاف على توقيت المواسم، بل يظهر كذلك في رتم وصول الموضات إلى سوقنا؛ فقد يُتبنى بعضها مبكرًا، ويتأخر بعضها الآخر، وقد تظهر بصورة مختلفة تمامًا عن المتوقع، أو لا تجد طريقها إلينا أصلًا، تبعًا للثقافة والذوق وأسلوب الحياة.

رسم بياني يوضح جزءًا من دراسة حضور الألوان في عروض أسبوع الأزياء في الرياض ٢٠٢٥
وظهر هذا الاختلاف في الرتم بوضوح خلال دراستي لأسبوع الأزياء في الرياض ٢٠٢٥. فمن بين ٢٠ عرضًا شملها التحليل، ظهر الأخضر الفاتح ودرجة التيفاني في ٤٥٪ من العروض، بينما ظهر الأزرق الفاتح في ٣٥٪ منها. هذه الأرقام لفتت انتباهي، عندما أصبحت درجات التيفاني والأزرق الثلجي (آيسي بلو) من الألوان التي اكتسبت زخمًا واضحًا عالميًا مع دخول ربيع وصيف ٢٠٢٦!
لا يعني ذلك أن هذه الألوان ظهرت محليًا قبل ظهورها عالميًا، فقد كانت إشاراتها موجودة بالفعل. لكن اللافت هو حجم تبنّيها لدى المصممين في أكتوبر ٢٠٢٥ قبل أن تكتسب زخمًا أوسع في الموسم التالي. وهنا تظهر أهمية القراءة المحلية؛ فتقارير التنبؤ ترصد ما يتحرك عالميًا، لكن يبقى السؤال بالنسبة لي: أين يقف سوقنا من كل ذلك؟
ومن هنا انطلقت فكرة دليل خريف وشتاء ٢٠٢٦-٢٧، الذي يجمع بين رصد الموضات عالميًا وبيانات من السوق السعودي، من خلال عروض أسبوع الأزياء في الرياض ودراسة أكثر من ٥٠٠ عباية من علامات سعودية وتحويل نتائج الرصد إلى بيانات إحصائية. لم يكن الهدف تقديم قائمة بالموضات القادمة — ولنكن واقعيين، هذا النوع من المحتوى يجلب المشاهدات ولذلك نراه في كل المنصات— بل تقديم قراءة أوسع للمصممين من خلال تشريح هذه الموضات، وفهم أبعادها والصور المختلفة التي قد تتخذها، والامتدادات المحتملة لها مع تطورها في المواسم التالية.

ومن النتائج التي لفتتني خلال دراسة عينة العبايات، هو أن طبيعة هذا السوق تتيح له تبني الموضات بشكل أسرع. فالعباية قطعة أساسية ومتكررة في خزانة المرأة السعودية، كما أن كثيرًا من المصممات يعملن على مجموعات صغيرة تتراوح بين ٧ و ١٤ عباية تُطرح كل عدة أشهر، ما يجعل دورة التصميم والإنتاج أسرع، ويتيح للموضات الجديدة أن تجد طريقها إلى السوق خلال فترة أقصر.
قراءة الموضة من منظورنا لا تعني عزل سوقنا عن العالم، بل إضافة سياق السوق السعودي إلى المعادلة؛ لفهم كيف يُعاد تفسير الموضات بطريقتنا — إن احتمل الأمر ذلك — وكيف تؤثر احتياجاتنا ومواسمنا وثقافتنا في شكلها عند تبنّيها. وهذا تحديدًا ما أحاول بناءه من خلال دليل الموضة؛ عين تقرأ وترصد ما يحدث عالميًا، ثم تعيد قراءته من منظور محلي.
فربما حان الوقت ألّا نسأل فقط: ما الموضة القادمة؟ بل: كيف ستبدو عندما تصل إلينا؟
لاقتناء دليل الموضة: https://salla.sa/HauteHadeel