helloo معكم دانة النعيم!، طالبة تصميم أزياء في جامعة القصيم، أعيش حالياً ترمي الدراسي الأخير قبل دخول الميدان في الفصل القادم ان شاء الله، فهذه هي آخر محطة دراسية حقيقية لي قبل خوض غمار الصناعة فعلياً. وكطالبة تقف على عتبة التخرج، الأكيد إني محملة بنظريات وشغف كبير، بس عندي تساؤل دائم: هل اللي درسته بالجامعة يشبه الواقع؟ هذا الأسبوع أخذت جولة على أول خمس حلقات من «بودكاست أزياء» مع وجدان المالكي وضيوفها من قطاع الأزياء السعودي، وبعد متابعتي للحلقات، أقدر أقول كأنها Reality Check أعدت فيها ترتيب مفاهيمي واكتشفت زوايا جديدة في مجالي. في النشرة هذه، ما راح ألخص لكم الحلقات فقط، بل بشارككم وش اللي «هكّر» تفكيري كمصممة، وكيف غير كلام الضيوف نظرتي لمستقبلي المهني وحتى كيفية التعامل مع العملاء، أو كما تفضل تيما عابد تسميتهم: «ما أحب أسميهم عملاء، هم ضيوفي فعلاً، وحقيقي دايماً يضيفوا لي شي»

في الحلقة الأولى، استوقفني مسار تيما عابد وكيف تجردت من قيود المجتمع التي لم تناسبها، لتنطلق في عام 2003 بـ 40 قطعة فقط. تجربتها تثبت أن مسألة الأولويات قد تؤجل النجاح المهني لكنها لا تلغيه. وعلى العكس من النظرة السطحية لسوداوية قطعها، فهي لا تربط اللون الأسود بالحداد، بل تستغل عمق الحزن لتخرج عن منطقة راحتها الإبداعية. وهنا لامستني فلسفتها في «العاطفة البنّاءة»؛ ففي الجامعة، المواعيد النهائية لا تنتظر ظروفنا ولا مشاعرنا، ولكنني تعلمت شخصياً كيف أوجه الضغوطات لتصبح دافعاً للعمل، حيث كان التركيز على حسابات الباترون والأرقام وتفاصيل الخياطة مساعدي الأكبر بعد الله لتخطي الصعاب. هذا التجرد من القيود الذي جسدته تيما يعكس واقعاً نعيشه؛ فأن تسمح لنفسك بالتفرد، وأن تلبس بما يشبهك دون تعدي حدود دينك، يتطلب شجاعة أمام استغراب المجتمع. عيشك كنسخة حقيقية لنفسك أفضل بمليون مرة من اتباع التيار، وكما يقال: «إذا لم تشعر بالانتماء مع الجمهور، فذلك لأن مكانك هو على المسرح».

رابط حلقة تيما عابد - بودكاست أزياء

في الحلقة الثانية مع «أتيليه حكايات»، يعطونا علياء وعبير عريف نظرة من خلف الكواليس، أو بالأحرى، من خلف النظارات. حلقة فريدة من نوعها التزمت فيها الضيفتان بإعادة رسم مفاهيم التراث السعودي، وهما ترتديان نظارات الدار طوال اللقاء إيماناً بما تسميه علياء: «العين نافذة الروح، والواحد يخبي شوية عشان ما يكون مكشوف».

كطالبة تصميم أزياء، لامستني هذه الفلسفة بشكل شخصي، ففي الفصل الدراسي السابق مررت بوعكة صحية اضطررت بسببها لحضور الاختبارات النهائية بنظارات شمسية. حسيت بأمان وحماية، ورغم كونها مجرد قطعة إكسسوار، إلا أنها كانت بالفعل حاجزاً يحمي بوابة الروح والأسئلة المزعجة، وسمح لي بأن أكون نفسي وأحفظ طاقتي للمساحات المطلوبة.

تتشارك الأختان روح الضيافة مع تيما، حيث وصفتا صالة العرض بأنها «مجلس الحكايات»، حيث تقضي العميلات ساعات يتبادلن فيها القصص والآراء. والدار تؤمن إيماناً تاماً بالمستشارين، حيث لم يقتصروا على مبادرة 100 علامة سعودية فقط، بل لديهن ستة مستشارين خاصين في شتى المجالات بما فيها الجانب الديني، تطبيقاً لمبدأ الشورى كما يعلمنا الدين، تؤكد عبير وعلياء على أهمية التركيز على الذات وترك الحكم على الآخرين.

على الصعيد العملي للدار، تأكدت أن الانفراد بالرأي قد يؤدي إلى التعثر، وأن الاعتماد على المستشارين يضمن رؤية شاملة. أستحضر هنا تجربة أكاديمية وضعتني ضمن مجموعة تتضارب معي ذوقياً على جميع الأصعدة. حاولت حينها بناء حلقة وصل بين الأطراف لضمان سير العمل والتعلم من الخلافات، ولما فاز معرضنا بالتصويت، تبين أن الجزء الذي طُلب عرضه تحديداً في البهو الجامعي كان زاوية إخراجي الشخصي. هذه التجربة جعلتني أتفق بشدة معهن في أن الآراء العامة والمتكررة ليست بالضرورة صحيحة دائماً. يجب أن تخلق نقطة التقاء وتؤدي ما عليكِ بإتقان، لتتأكد لاحقاً أن نجاحك كان مستحق.

رابط حلقة أتيليه حكايات - بودكاست أزياء

أما في الحلقة الثالثة، يكشف لنا المصمم يوسف أكبر الوجه الآخر للعملة، موضحًا أن مجال الأزياء قد يكون «سامًا» (توكسك). فبينما تقر تيما، وتشاركها أضوى أكبر، بأن العمل متعب ولكنه ممتع، يركز يوسف على قسوة المجال وتشدده من ناحية الجماليات والمظاهر، حيث قد تنهار حياة أحدهم مهنياً لمجرد تأخر فستان، ليعود ويؤكد فلسفته الواقعية بأن الحياة لا تتغير بوجوده أو عدمه. هل نلوم الموضوع على ترتيب الأولويات كما ذكرت تيما؟ أم أن عميلات الفاشن يعتبرنها بالفعل أزمة؟ رغم هذا الالتزام الكبير الذي يفرضه القطاع، يبقى التساؤل: هل نسمح له بتغيير مسارات حياتنا بشكل سلبي؟ ولكن في بعض الحالات، يكون صوت الشغف أعلى من الألم، بل وربما السبيل الوحيد للخروج منه.

يتحدث يوسف عن استمرارية السعي، فبالرغم من عدم حبه للدراسة الأكاديمية في البداية، استمر في تطوير نفسه، حتى انصدم بالواقع العملي وأقفل علامته عام 2017 ليدرس السوق الفعلي. لاحقاً، حقق حلمه بصنع أزيائه الخاصة بعد أن مل منه الخياطون ورفضوا تفصيل أول جاكيت له لشدة تدقيقه، لتصبح رحلة ملهمة من رفض الخياطين المحليين إلى نيل الجوائز العالمية.

فالموهبة ليست ميزة تنافسية بل هي الحد الأدنى للقبول، والنجاح الفعلي يتطلب إدارة مالية وهوية تفصل بين خيال المصمم وأرقام المبيعات. أضم صوتي ليوسف في حتمية التمكن التقني لهندسة الباترون. وأسترجع موقفاً من الاستوديو حين أعدت تشكيل «توب» فستان ثلاث مرات متتالية لعدم ضبطي تقنية التثبيت؛ وفي كل مرة أزيل القماش من المانيكان، أتفاجأ بالكسرات تنهار وتتساقط.

اجتهادي وسهري على المشاريع حتى أتقنت الثنيات والعقد القماشية جعلني أستوعب القيمة الحقيقية للصناعة.

قبل التخصص، كنت كأي متسوقة أستغرب الأسعار العالية وألجأ لفلتر التسوق «من الأقل للأعلى». اليوم، بعد أن أدركت أن أبسط فستان يستغرق مني أكثر من 5 ساعات عمل لتركيب سحّاب مخفي بإتقان، فهمت مبررات التسعير. للأسف، لا يزال المجتمع يجهل حجم الجهد والخامات خلف الكواليس. واليوم، انعكست الآية، فصرت أنزعج إذا كان السعر رخيص، لأن هذا دليل قاطع على أن الفني الذي عمل خلف الكواليس لم يأخذ حقه بالكامل.

رابط حلقة يوسف أكبر - بودكاست أزياء

وعلى الجانب الآخر من الإرث العائلي، تكمل أضوى مسيرة والدها الفنية المصمم الرائد عدنان أكبر. لم يكتفِ الوالد بتمهيد طريق الأزياء السعودية، بل حرص على تعليم بناته وتشجيعهن على الخياطة والتصميم منذ الصغر، عبر مكافأتهن وتقييم أعمالهن على أكمل وجه، مما سمح بصقل مواهب أضوى وتطوير حسها الإبداعي.

لفتني حديثها عن الشابات اللاتي يبحثن عن النوستالجيا، فيأتين بفساتين زفاف والداتهن لإعادة ضبط قياساتها. هذا يثبت نجاح النظرة المستقبلية للعلامة، ويعكس توجهاً حقيقياً لدى جيلنا نحو القطع الـ «فينتج» (Vintage)، وهو توجه أتبناه شخصياً؛ فأكثر الحقائب التي أتلقى عليها الإطراء في الجامعة هي حقائب والدتي القديمة من «لويس فويتون» و«ديور»، ببساطة لأن جودة الصناعة حينها لا يُعلى عليها. هذا المبدأ الذي رسخه المصمم عدنان أكبر في صرامة جودة التنفيذ هو السبب الجوهري لطول عمر العلامة، وهو ما يدفعني للمطالبة الدائمة بتعليم يعتمد على الهيكلة المتقنة التي تصمد أمام الزمن ولا تساوم على الجودة. حلقة دافئة جداً تعزز الإرث العائلي، وتؤكد فيها أضوى أن المعايير التي تلتزم بها في أغلب التصاميم هي ذاتها التي ألزمت نفسها بها حباً بنهج والدها، منوهة إلى أن نطاقها الإبداعي يتوسع أكثر في المهرجانات وجلسات التصوير، حيث يصبح الإبداع هو الهدف الأساسي، بدلاً من عنصر الراحة الذي تسعى إليه عميلات الجيل الحالي.

رابط حلقة أضوى أكبر - بودكاست أزياء 

تضع الحلقة الخامسة مع نازك الخليفي يدها على جرح حقيقي: التهميش المجتمعي لتصميم الأزياء كمسار أكاديمي صارم. تشير نازك للتشكيك الذي واجهته: «قالوا ليش تدخلين فاشن، ماله مستقبل». هذا يعكس مشكلة منهجية نشوفها بواقعنا الحالي، فنسبتي الموزونة كانت عالية وتؤهلني لتخصصات أخرى، لكنني اخترت الأزياء بشغف وتفضيل شخصي، تماماً كما وصفت نازك حين دخلت المجال رغم أن أغلب من حولها دخلوه لتدني نسبهم. من واقع تجربتي، أرى كيف تؤثر هذه النظرة على البيئة التعليمية؛ فعندما يُعامل تخصص دقيق يعتمد على البناء الهيكلي (Structural Integrity) كـ «هواية»، تتكيف المناهج لا إرادياً لاستيعاب من يفتقرون للدافع ويسعون فقط للتحويل لاحقاً.

أن أستثمر جهدي في بناء معرفة عميقة ثم أُقيَّم بأدوات مبسطة وُضعت لتسهيل استمرار غير المهتمين، هو استنقاص من مستوانا. وكل ما أقوله لمن يستسهل التخصص ويعتبره مجرد هواية بلا دراسة، وأنا أقضي ساعاتي في رسم المخططات التقنية: «ورونا شطارتكم».

إتقان الـ «هوت كوتور» يتطلب صرامة أكاديمية ومناهج تتحدى قدراتنا لتكون مصفاة للتميز. وهنا بالذات يجي سؤالي: ليه نصر على هذا التأسيس الأكاديمي القوي؟

الإجابة تكمن في حجم الرسالة اللي نحملها كسعوديين. لفتني جداً في حوار نازك طرحها لمفهوم «المحلية المفرطة» كطريق حقيقي للعالمية. تعودنا نقيس نجاحنا بمدى قدرتنا على التصدير للخارج والتواجد بعواصم الموضة، وكأننا ندور على الإلهام والاعتراف برا. لكن لو نرجع للتاريخ، نكتشف أن كبار التجار والمصممين الغربيين كانوا يشدون الرحال للجزيرة العربية عشان يستلهمون من تفاصيلنا الفنية! طيب ليه نطلع ندور الإلهام برا ومصدر الإبداع طالع من عندنا؟

نازك عكست هذا المبدأ تماماً برؤيتها لعلامة «تربة». العالمية بالنسبة لها مو إننا نطلع للعالم، بل إننا نخلق تجربة مكانية وثقافية تجذب العالم لنا. الهدف إننا نبني ارتباط وثيق بأصالتنا يخلي المهتمين بالأزياء يحجزون تذاكرهم ويطلعون فيز خصيصاً عشان يعيشون هالتجربة في موطنها الأصلي عندنا بالسعودية. وهذا الاعتزاز بالتراث يمتد للبعد الفلسفي والروحي للتصميم؛ الأزياء ماتقتصر على كونها قطع استهلاكية نبيعها، الأزياء فن بصري له قوة تأثير عميقة استهان السوق فيها، بنقدر نوصل لها لو حبينا الي قدمناه، واشتغلنا عشان نترك أثر، بدال مانحقق مبيعات. 

رابط حلقة نازك الخليفي - بودكاست أزياء

اليوم، قطاع الأزياء في السعودية قاعد يعيش تطور هائل وانفتاح غير مسبوق، وهذا الزخم الكبير يذكرني بالمقولة الشهيرة: "With great power comes great responsibility". لأن مع هذه الفرص العظيمة، فيه مخاطرة كبيرة جداً إذا ما كنا مستعدين لها صح.

لذلك، مسؤوليتنا اليوم كطالبات ومصممات إننا نتعلم الصنعة بذمة وضمير، ونبني علاماتنا التجارية على أساسيات صحيحة وقواعد صلبة، بدل ما نستعجل وننجرف وراء بدايات هشة. وفي وسط هذا التحدي والمسؤولية، أثر فيني جداً تشجيع علياء وعبير عريف في البودكاست لما قالوا: «أبدعوا، حنا سعوديين، أبدعوا واحلموا واحنا معكم». هذا الدعم بالنسبة لي هو تكليف لجيلي عشان نرفع سقف المعايير، ونثبت أن حلمنا بالوصول للعالمية مبني على احترافية حقيقية وتأسيس متين يمثلنا كـ سعوديين بأفضل شكل.

أنهيت هذه الجولة من «بودكاست أزياء» وأنا على قناعة تامة بأن الموضة في السعودية لم تعد تحتمل «الهواة».

كطالبة تعيش أيامها الأخيرة في الاستوديو الجامعي، أعتبر هذه الحلقات هي المرجع الأهم قبل التخرج. لن أقول لكم استمعوا للبودكاست فقط لمعرفة كواليس الصناعة وقصص الضيوف، بل استمعوا له لتفهموا كيف تحمون شغفكم من الانهيار عند أول اختبار حقيقي في السوق.

وفي الختام، أرجع أقول مرة يهمني أسمع منكم:

مين الشخصيات اللي ودكم نستضيفهم في الحلقات الجاية؟ أو المواضيع اللي حابين نناقشها؟ وايش التساؤلات اللي ببالكم؟