تخيلوا معي المشهد: كوب ماتشا، سماعات سلك و قليتر... مشهد مألوف نشوفه كل يوم بالجامعة أو المقاهي، صح؟ لكن، أول ما ستايل معين أو قطعة مميزة تصير «ترند» وتنتشر بكل مكان، فجأة ينفجر التايم-لاين بحالة غضب، ودفاع حاد، واللي نسميه بوقتنا الحالي «قيت كيبينق» (Gatekeeping).

يبدأ تصنيف الناس لـ «فيك فان» (Fake fans) ومستهلكين أدائهم بس استعراضي (Performative). بس هل فعلاً الترند يقتل القطعة؟ هل الثقافة تفقد قيمتها بس لأنها صارت مشهورة؟ من منظوري الشخصي: لا، أبداً.
الشيء اللي يعجبك بشكل حقيقي وصادق بيستمر إعجابك فيه، بغض النظر عن الموجات العالية اللي تمر على الساحة. المعجب الحقيقي اللي يقدر تفاصيل القصة، ويفهم البعد الفني للقطعة، بيستمر حبه لها بدون ما يتأثر بزحمة السوق. بالعكس، أنا أشوف الترند زي الفلتر؛ الناس اللي تركب الموجة بشكل سطحي، أو تستهلك الاستنساخ السريع اللي نشوفه في المتاجر الكبيرة عشان تلحق الترند بأسرع وقت، موجتهم أكيد بتهبط وتتلاشى بمجرد ما تطلع «هبة» ثانية.
بينما البراندات اللي اشتغلت على الموضوع بشكل صحيح، وبنت هويتها بتسلسل مدروس، هي اللي تبقى طافية. لما أتأمل أعمال أسماء متمردة وجريئة في عالم الموضة زي فيفيان ويستوود، أستوعب تماماً أن الأصالة تفرض نفسها. مهما حاول السوق يستنسخ التصاميم بشكل تجاري، القطعة الأصلية تحتفظ بهيبتها ووزنها، لأن وراها بنية هيكلية تتحدى الزمن، ومو بس ترند مؤقت.
لكن هنا ودي أطرح زاوية ثانية غالباً نتجاهلها وسط كل هذا الغضب: ليه حنا ضد إن الناس تستمتع ببساطة؟
الموضة مو دائماً اختبار تاريخ أو تقييم لمدى عمق معرفتك بأرشيف دور الأزياء! أحياناً، الشخص يبي يلبس قطعة لمجرد إنها حلوة، تعطي شعور جميل، وتخليه يعيش اللحظة. من حق أي إنسان إنه يستمتع بالملابس بدون ما يُطلب منه يقدم بحث كامل عن أصول هذا الترند أو خلفيته الثقافية. فكرة إننا نشبه بعض أو نتبع موجة معينة هي بالنهاية طبيعة بشرية؛ رغبتنا في الانتماء هي جزء من كوننا بشر. ليه نحول هذا المرح العفوي لـ «جريمة سطحية» ونحرم الناس من متعة التجربة؟
وإذا دققنا أكثر بأساس هذا الهجوم والتكتم، بنلقى إنه غالباً ينبع من شعور مبطن بالفوقية والطبقية. البعض يحس إن احتكاره لستايل معين يمنحه تميز يرفعه عن باقي الناس، وهنا نطيح في فخ الكِبر والغرور اللي ديننا يرفضه تماماً. التفاضل بيننا عمره ما كان بالمظاهر والأشكال. الفاشن المفروض يكون إضافة حلوة تعدل مزاجنا للأفضل، مساحة نستمتع فيها ونعبر عن أنفسنا، مو أداة للتعالي أو بناء طبقات وهمية ومقاييس بينا وبين غيرنا.
ومن زاوية مكملة لهذا الموضوع، مو لازم أبداً إن توجهك في الموضة أو طريقتك بالتعبير عن نفسك تكون ماشية مع الترند أو محصورة تحت معيار ثابت ومحدد يرضي ذائقة الأغلبية. طالما إنك ما تجردت من هويتك ومبادئك، فأنت بالطريق الصحيح.
أكبر مثال على هذا الفخ المجتمعي هو الهجوم غير المبرر اللي واجهته نازك الخليفي، المخرجة الإبداعية لـ «استوديو تربة»، على طريقة لبسها. رغم إن ستايلها كان واسع وساتر (أي أنها محتفظة بهويتها وقيمها تماماً)، إلا أنها تلقت تعليقات مستفزة مثل: «الحين هذا صدق ولا استهبال؟» و«هل الإبداع مرادف للغرابة؟».
وردي على هذا النوع من التفكير بسيط جداً: الإبداع أبداً مو مرادف للغرابة، الإبداع هو كسر «الاستنساخ البصري» اللي تبرمجت عليه عيوننا. طالما أن القطعة ساترة وتحترم ثوابتنا، فالمشكلة مو في اللبس، المشكلة في العدسة اللي ترفض أي شيء يطلع عن المألوف المكرر. ليش نعتبر المختلف «استهبال»؟ الغريب فعلاً هو رغبتنا في صب كل الناس في قالب واحد وإلغاء شخصياتهم بس عشان ما يزعجون منطقة الراحة البصرية عندنا. الأزياء مساحة للتفرد، وإذا كانت تعبر عن روحك بدون ما تمس دينك وهويتك، فهذا هو قمة الإبداع.
لذلك، المرة الجاية اللي تشوفون فيها ستايلكم المفضل صار ترند، لا تحسون إن مساحتكم الخاصة انسُلبت. المساحة تتسع للجميع؛ تتسع للمعجب الحقيقي اللي يغوص بأعماق البناء والتصميم، وتتسع بعد للشخص اللي يبي يركب الموجة ويستمتع بوقته ويشاركنا متعة التشابه. الذوق الجيد والصناعة المتقنة دايماً بتفرض نفسها وتعيش، والمرح العابر بيعطي للحياة لون وحركة خفيفة كلنا نحتاجها.

فريق التحرير: أثير الحربي، غادة الناصر، دانة النعيم، هاجر مبارك، منار الأحمدي، وجدان المالكي
عروض اليوم الوطني على ورش الأزياء
منسوج، نُبقيك في صدارة مشهد الأزياء السعودي