المينيماليزمواحدة من أكثر الكلمات إستخداماً في عالم الأزياء اليوم، حتى أصبح من السهل أن تصف العلامة التي تستخدم الألوان الهادئة والقصات النظيفة بأنها «مينيمالية». لكم هل بالفعل مانراه اليوم هو المينيمالزم؟

قبل أن يصبح المينيمالزم جمالية رائجة، أحد معانية بأنها حركة في الموضة ظهرت أواخر الثمانينات والتسعينات كردة فعل على شكل الصناعة آنذاك؛ ففي وقت كانت فيه دور الأزياء تعيش بداخل فقاعة فاخرة، حيث نجومية "السوبر مودلز" والأزياء المذهبة والألوان الحيوية، قدم عدد من المصممين كـ «يوجي ياماموتو» و«إيسي مياكي» و«مارتن مارجييلا» رؤية مخالفة لم تُرى من قبل

ديور من مجموعة ربيع وصيف ١٩٩٢ للأزياء الراقية

فلسفة التفكيك، تصاميم ذات حرفية بنائية عالية بالرغم من عدم وضوح معالم بدايتها من نهايتها، بالإضافة الاستخدام مواد لا تمد بالخامات الفاخرة بصلة، كل مواد المعاد تدويرها والأقمشة القطنية.. حتى الورق. جميع هذه الأفكار كانت تصب نحو إعادة تعريف المعايير في الموضة وأُرِّخت كـ حركةانتاي-فاشنأو عكس الموضة وفي معنى أشمل بالـ مينيمالزم

ايسي مياكي ﻣن مجموعة خريف ١٩٨٣

ومع مرور الوقت، انتقلت هذه الفلسفة من كونها موقفاً من الموضة لتتحول إلى جمالية يواكبها المصممين الذين أتوا من بعدهم حتى أصبح من الممكن أن يبدو التصميم مينيمال كوصف خارجي دون أن يحمل بالضرورة الأفكار التي قام عليها هذا التوجه

Advertisement

اليوم تعبر المينيمالية عن جمالية رائجة؛ ملابس محايدة، قطع أساسية، واستحضار أسلوب أزياء أيقونات التسعينات مثل كارولين بيسيت كاحتضان لهذا التوجه، وكما رأينا مؤخراً مع صعود موضات مثل "الأولد موني"، "كوايت لكجري" وغيرها

في مشهد الموضة في المملكة العربية السعودية، تمتاز عدد من العلامات بالمينيمالية كجزء من هويتها البصرية والإبداعية، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول معنى هذا التوجه في السياق المحلي، وما إذا كان متأثراً بأصالة المعنى ذاته الذي ظهر من أجله في الموضة الغربية في التسعينات، وما إن كان يكتسب أبعاداً أخرى مرتبطة بالصناعة والحرفة والثقافة المحلية

علامة آباديا على سبيل المثال من العلامات التي تصف تصاميمها بـ «الفخامة الواعية»، ترتكز فلسفتها على الاستدامة على جميع المستويات؛ من تأمين الخامات، الأيادي العاملة، حتى حفظ التراث وإعادة تقديمة بصورة معاصرة

السدو دوماً مايكون حاضراً كتوقيع للعلامة في تصاميم عديدة، والتي ترفض من خلالها المصممة والمؤسسة شهد الشيل سرعة وطأة تغيرات الموضة عبر تمكين الحرفيات لتقديمها بالإحسان الذي صنعت به، اعتباراً أن الحرفية خالدة بينما الموضة متغيرة

تفاصيل السدو في تصاميم آباديا

بالرغم من ارتباط المينيمالزم اليوم بالبساطة البصرية، إلا ان الحرفة كانت دائماً جزءاً من فلسفته، ليس كزخرفة خارجية بالضرورة بل كوسيلة لتقديم أزياء قادرة على تجاوز المواسم وتغيرات الموضة السريعة، وفي تصاميم آباديا، تثبت الحرفية المستخدمة هذا النهج

المينيمالزم كمفهوم لا يختزل في تصاميم بسيطة فقط، بل كذلك بالنهج والحالة الذهنية التي توصلنا إليه، وهو ماينعكس في رؤية علامة للمصمم أحمد زاهر، التي تتحفظ عن تصنيف نفسها كعلامة مينيمالية بالمعنى التقليدي للكلمة، فبحسب زاهر، لا ينظر كَمَل إلى المينيمالزم كأسلوب بصري أو هوية ثابتة بقدر ماينظر إليه كنتيجة قد تظهر بشكل طبيعي أثناء عملية التصميم

:يقول زاهر

المينيمالزم بالنسبة لنا أداة ونتيجة نصل إليها، وليس أسلوباً أو عاملاً تعرف به العلامة

أحمد زاهر

تنعكس هذه الرؤية في الطريقة التي تتعامل بها العلامة مع مفهوم المجموعات الموسمية، فبدلاً من تقديم مجموعات منفصلة ومستقلة عن بعضها، تتبنى علامة كَمَل نهجاً يقوم على بناء خزانة ملابس متكاملة تتطور مع الوقت، حيث تحمل كل مجموعة امتداداً لما قبلها، ويصف زاهر هذه العملية بأنها تمرين لبناء خزانة ملابس، مضيفاً أن الهدف يتمثل في تصميم قطع قادرة على العيش خارج حدود الموسم الواحد، بل والانتقال بين الأجيال

كما تستمد العلامة كثيراً من سردها القصصي والبصري من تاريخ الشرق وشبه الجزيرة العربية، سواء من الأقمشة التي تلف حول الجسد أو بعض الأشكال المرتبطة بالملابس التقليدية ومن خلال هذا السرد، لا تُقدم القطعة كموضة منفصلة عن تاريخها، بل كامتداد للثقافة التي خرجت منها

تصميم كمّل

هذا العمق في السرد لا يهدف إلى استحضار التراث كمرجع فقط، بل إلى خلق تصاميم تدفع مرتديها للبحث ربما وارتداء القطعه كامتداد لثقافته، لا بشكل منفصل عن تاريخه عبر الموضات المبهرجة والمتغيرة

نهج العلامة القائم على المجموعات التراكمية، وبناء خزانة ملابس طويلة العمر، يختبر فيها المصمم الفكرة بأبعادها على عدة مواسم عوضاً عن تقديمها بشكل منفصل كل موسم، يعبر عن جوهر المينيماليزم في تفكيك الفكرة وإعادة تقديمها بصور عديدة ومستدامة

في الجانب الآخر، "إيماء" هي العلامة التي تحمل من إسمها نصيباً عندما نتحدث عن الأزياء المينيمالية. تعتمد العلامة دراسة الخطوط الأساسية والباترون في الملابس التقليدية، لترى أن البساطة ليست اتجاهاً بصرياً، بل القاسم المشترك الذي جعل بعض الأزياء تعيش لقرون دون أن تفقد هويتها

ويصف المدير الإبداعي للعلامة عبدالله الخريف المينيمالزم بأنها "فلسفة تصميم كاملة"، موضحاً أن دراسة الملابس التقليدية العربية والإسلامية، إلى جانب أزياء ثقافات أخرى كالكيمونو الياباني والبدلة الكلاسيكية، قادته إلى ملاحظة واحدة، وهي أن أكثر القطع استمرارية عبر التاريخ كانت دائماً الأكثر بساطة في خطوطها

:يقول عبدالله

المينيمالزم يندرج تحت هذه البساطة، فهو جمالية بصرية وفلسفة تصميم في الوقت نفسه، تساعدني على الوصول إلى أزياء يمكن أن تبقى

عبدالله الخريف

“تصميم من علامة "إيماء" من مجموعة “تائه في الزمن

وفي رؤية إيماء، لا تكمن قيمة المينيمالزم في بساطة الشكل بقدر ماتكمن في قدرة التصميم على الاستمرار. فبقاء القطعة لسنوات ونجاحها في تجاوز تغيرات الموضة، هو جزء من فلسفة المينيمالزم نفسها، لا نتيجة تأتي بعدها. وتنعكس هذه الفلسفة في طريقة التصميم والإنتاج، إذ يوضح الخريف أن كل تفصيلة تخضع لسؤال واحد: "هل سيبقى هذا التصميم سنة؟ سنتين؟ ثلاث سنوات؟" فإذا كانت الإجابة لا، يُعاد التفكير فيه من جديد. لذلك تعتمد العلامة على خامات عالية الجودة، وألوان دائمة، وهوية بصرية بدأت بالأبيض

لعل المغالطة الكبرى التي ارتبطت بالمينيمالية في العقود الأخيرة، هي اختزالها في شكلها البصري فقط. المينيمالزم فلسفة تقوم على التمهل، والإحسان، وتصميم أشياء قادرة على البقاء في زمن يتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، وكأنها لحظة أزياء ينعزل عندها كل الضجيج

فريق التحرير: أثير الحربي، غادة الناصر، دانة النعيم، هاجر مبارك، منار الأحمدي، وجدان المالكي

منسوج، نُبقيك في صدارة مشهد الأزياء السعودي


كن أول من يعرف

تحديثات أسبوعية تبقيك في صدارة أخبار وثقافة الأزياء السعودية


Comments

Avatar

or to participate


آخر الأخبار