أعلن معهد الأزياء بمتحف المتروبوليتان في نيويورك عن تخصيص معرضه السنوي لربيع ٢٠٢٧ وحفل "الميت غالا" لاستعراض مسيرة المصمم البريطاني جون غاليانو تحت عنوان "جون غاليانو: آفاق"، بتنسيق أندرو بولتون. المعرض بيفتح للجمهور رسمياً من ٩ مايو ٢٠٢٧ إلى ٩ يناير ٢٠٢٨ في صالات "كوندي ناست" والقاعة الكبرى، بعد حفل الميت غالا يوم ٣ مايو ٢٠٢٧
هذه الخطوة تعتبر نقطة تحول في تاريخ المتحف، لأن غاليانو ثالث مصمم أزياء حي يُخصص له معرض فردي وثيم مستقل، بعد إيف سان لوران (١٩٨٣) وري كواكوبو مؤسسة "كوم ديس غارسون" (٢٠١٧). المعرض ما يكتفي بعرض الجانب التقني والجمالي لمصمم غير شكل الهوت كوتور على مدى أربعة عقود، بل يتطرق بشكل مباشر للأزمة الأخلاقية والقانونية في مسيرته عامي ٢٠١٠ و ٢٠١١ من خلال تخصيص مساحة كاملة للوثائق القانونية، الأرشيف الصحفي لمحاكمته في باريس، وتسجيلات مرحلة تعافيه، إلى جانب حوارات مع قيادات مجتمعية المصدر
أكد ماكس هولين، المدير التنفيذي للمتحف، أن المعرض يقدم دراسة عميقة لتجارب غاليانو الإبداعية مع مراعاة السياقات التاريخية والأخلاقية. وأوضح أندرو بولتون أن فكرة "الآفاق" تتبع تحول الصور إلى أفكار ثم إلى أقمشة، مع أخذ السلوك الشخصي وتبدل القيم الثقافية بعين الاعتبار
البدايات والتحولات (١٩٨٤ - ٢٠١١)
تخرج غاليانو من كلية "سانت مارتنز" بلندن عام ١٩٨٤ بمجموعته "المذهلون" المستوحاة من الثورة الفرنسية، وكانت نقطة تحول في الأزياء البريطانية لتمكنه من تفكيك الباترونات التاريخية وإعادة تركيبها بمنظور حديث. اشترت جوآن بورستاين المجموعة بالكامل لعرضها في بوتيك "براونز". ورغم فوزه بجائزة مصمم العام من مجلس الأزياء البريطاني لعدة سنوات، عانت علامته من مشاكل مالية متكررة
مرت مسيرته بأربع مراحل رعاية استراتيجية لنقله من لندن إلى باريس بين ١٩٨٤ و ١٩٩٥
أولًا: تأسيس المشغل بدعم يوهان برون لمدة سنتين
ثانيًا: التوسع بدعم بيدير بيرتلسن قبل التعثر
"ثالثًا: الانتقال لباريس بالشراكة مع المصمم المغربي فيصل عمور واستغلال بنية دار "بلين سود
رابعًا: تدخل أنّا وينتور وأندريه ليون تالي لتشكيل تحالف بدعم ساو شلمبرجير ومؤسسة "أربيلا" مما أثمر عن عرض مجموعة خريف وشتاء ١٩٩٤ ودخوله عالم الفخامة الفرنسية
في ١٩٩٥ عينه برنارد أرنو (رئيس إل في إم اتش) مديراً إبداعياً لدار "جيفنشي" كأول مصمم بريطاني يقود دار كوتور فرنسية، ثم نقله في ١٩٩٦ لإدارة دار كريستيان ديور

:خلال ١٥ سنة في ديور، حول غاليانو العروض إلى مشاهد مسرحية، وصمم قطعاً أصبحت أيقونية، مثل
حقيبة السرج -السادل- (ربيع وصيف ٢٠٠٠): تصميم مستوحى من أسرجة الخيل يحمل حرف "دي" معدني، وأصبح رمزاً للأناقة الشعبية
فستان الجريدة (خريف وشتاء ٢٠٠٠): ظهر ضمن مجموعة الألبسة الجاهزة، بطباعة صحف وهمية تحمل اسم ديور
مجموعة "المشردون" (ربيع وصيف ٢٠٠٠): تشكيلة الهوت كوتور التي أثارت جدلاً واسعاً باستلهامها من شوارع باريس وأسلوب الطبقات المتعددة
عرض "الموروثات التاريخية" (ربيع وصيف ١٩٩٨): أقيم في دار أوبرا باريس، وجسد الحقبة الجميلة بفساتين ضخمة ومشدات رسمت ملامح الدراما في الخياطة الرفيعة
مجموعة "ذا ماتريكس" (خريف وشتاء ١٩٩٩): مجموعة كوتور دمجت بين الطابع المستقبلي لفيلم الخيال العلمي والتأثيرات التاريخية مثل لوحات غينزبرة في بلاد فارس، لتخلق دراما تجمع بين القوة والرومانسية
المجموعة المصرية (ربيع وصيف ٢٠٠٤): مجموعة الهوت كوتور المستوحاة من الحضارة الفرعونية، بأحجام هندسية ذهبية وأقنعة ترمز للفن الفرعوني
مجموعة "اليابان وأوبرا باترفلاي" (ربيع وصيف ٢٠٠٧): استوحت الثقافة اليابانية عبر معاطف طي الأوراق وقصات هندسية حادة
مجموعة "فرساي واللوحات الكلاسيكية" (خريف وشتاء ٢٠٠٧): أقيمت في قصر فرساي بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس ديور، واستوحت إطلالاتها من لوحات الفنانين الكبار
إعادة إحياء "النيو لوك": أعاد صياغة جاكيت "بار" الشهير لدار ديور عبر تقنيات القص المائل وإبراز الخصر والكتفين على مدار حقبته
توقفت هذه الحقبة في فبراير ٢٠١١ بعد إقالته الفورية من ديور إثر انتشار مقاطع فيديو أظهرت صدور تصرفات غير مقبولة منه وغيابه لسنوات لإعادة التأهيل
Advertisement
مرحلة مارجيلا والتقنيات (٢٠١٤ - ٢٠٢٤)
يعتمد الابتكار التقني عند غاليانو على تطوير "البايس-كت" التي ابتكرتها مادلين فيونيه، عبر قص النسيج بزاوية ٤٥ درجة لإعطاء القماش مرونة تتيح له الانسياب على الجسد بدون مشدات قاسية. وطور هذه التقنية لتشمل التويد والسترات الثقيلة
تتأثر جمالياته بجذوره في جبل طارق ونشأته مع أم إسبانية تعلم الفلامنكو، وتجلت في التنانير المتموجة والسترات متعددة الطبقات. وخلال فترة ديور، لاقت تصاميمه المطرزة بالذهب إقبالاً كبيراً من عملاء الهوت كوتور في الخليج العربي لما تحمله من فخامة احتفالية

Maison Margiela Artisanal Spring 2024
في أكتوبر ٢٠١٤ تولى الإدارة الإبداعية لدار "ميزون مارجيلا"، ووصلت هذه المرحلة لذروتها في مجموعة الكوتور لعام ٢٠٢٤ تحت جسر ألكسندر الثالث والتي أبرزت الإندماج اللافت بين العناصر الدرامية والابتكار
التفكيك الهيكلي: إظهار البطانات والمشدات الداخلية للقطع
المسرحية الجسدية: تدريب العارضين على حركة مشية الدمية المكسورة
المكياج الزجاجي: تنفيذ بات مكغراث لمظهر البشرة البورسلينية رشاً بطبقات متعددة
التواري المؤسسي: امتناع غاليانو عن الظهور نهاية العرض، التزاماً بأسلوب مارجيلا في تقديم العمل على الشخص

High & Low Trailer By MUBI
تمهيداً لعودته، عرض فيلمه الوثائقي (الارتفاع والهبوط: جون غاليانو) عام ٢٠٢٤، والذي سلط الضوء بشفافية على أزمته السابقة وضغوط العمل. فتح الفيلم باب الحوار لإعادة تقييم إرثه الفني، ومَهّد لقَبول عودته وإقرار معرض المتروبوليتان
ولم تكن هذه العودة لتكتمل لولا دعم أنّا وينتور الحاسم، التي مهدت بحضورها وكواليس رعايتها تعافيه الطريق لإعادة إدماجه بالمؤسسات الكبرى، مؤكدةً أن العبقرية الاستثنائية تستحق فرصة ثانية لمن يعي الدرس
هذه الخطوة تضع القطاع أمام تساؤل جوهري: هل هي خطوة استراتيجية تُنقذ زارا وترفعها إلى مصاف الفخامة المفهومية، أم أنها سقطة تُقلل من القيمة الفنية لمصمم خياطة رفيعة و تبخس أرشيفه الدرامي؟
إتاحة لمسته الهندسية وتفكيكه التاريخي لجمهور عام عبر منصة أزياء سريعة تجارية تفتح فصلاً جديداً ومثيراً في حكايته، بين من يرونها ديمقراطية للفن وإعادة انتشار ذكية، ومن يعتبرونها تنازلاً عن عرش الهوت كوتور وعزلته الفاخرة
:يعتمد معرض ٢٠٢٧ في المتروبوليتان على ثلاثة محاور رئيسية
محور الاتجاهات: يركز على التسلسل الزمني والسياق الاجتماعي، ويعالج البعد الأخلاقي بجرأة عبر تخصيص مساحة للأرشيف الصحفي والوثائق القانونية لمحاكمته، مع تسجيلات مرحلة تعافي، وحوارات مؤسسية توضح التبعات الأخلاقية لهذه الأزمة والتجاوزات السلوكية
محور الآفاق: يعرض الخارطة الجغرافية والتاريخية عبر أكثر من ٢٠٠ إطلالة كوتور كاملة، ولوحات زيتية من القرن التاسع عشر، لتفكيك مفهوم الاستشراق وتوظيف التراث
محور أطلس التحول: يركز على التفكيك التقني لعمليات التصنيع عبر إتاحة المسودات الأولى، ودفاتر الأبحاث، وعينات التطريز لإبراز الحرفية اليدوية وتطور تقنيات القص المائل
يطرح المعرض على المتروبوليتان قضية أساسية تتصل بالمسؤولية المجتمعية: هل يُقرَأ الفن لذاته أم يرتبط دائماً بالموقف الأخلاقي لمالكه؟ وهي محاولة للتقديم بنموذج متحفي يوازن بين النقد التاريخي والقيمة الجمالية للأرشيف

فريق التحرير: أثير الحربي، غادة الناصر، دانة النعيم، هاجر مبارك، منار الأحمدي، وجدان المالكي
منسوج، نُبقيك في صدارة مشهد الأزياء السعودي
