تتجه بوصلة الأزياء في خزانة المرأة السعودية نحو تغييرات جذرية تعيد تعريف مفهوم اللباس اليومي
حيث كشفت أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء التي استعرضتها منصة مستقبل الأزياء، عن تحولٍ ملموس في سلوك المستهلكة السعودية خلال العامين الماضيين، حيث سجلت فئة البناطيل والقمصان النسائية تراجعاً في معدلات الطلب، مقابل نموٍ متصاعد في حصة العبايات والجلابيات والفساتين من السوق المحلي
فما هي الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول في السلوك الاستهلاكي؟ وكيف استعادت 'القطعة الواحدة' سيادتها كخيار أول يواكب إيقاع الحياة الجديد؟
الاستطلاع: نبض الشارع يفسر الأرقام
للوقوف على أسباب هذا التحول، طرحت وجدان المالكي نقاشاً تفاعلياً عبر منصة (إكس) لإستقراء آراء المستهلكات، وبرزت لنا مؤشرات لافتة، إذ أكدت ٧٠٪ من التعليقات من المشاركات تفضيلهن للعبايات والجلابيات والفساتين كحلول عملية أساسية تتصدر خزانتهن حالياً
وبالنظر إلى ردود الإناث ضمن الاستطلاع، نجد أن العملية هي السيّد، حيث تصف إحدى المشاركات تجربتها قائلة: ـ
أول مره ألبس جلابيات في حياتي هالسنتين، جوها حلو وأنيقة في رمضان وفي الجمعات
:بينما لخصت أخرى فلسفة الإنفاق الجديدة بقولها
العباية صارت واجهة الإطلالة، انا ميزانيتي أضخها فيها حتى لو غالية.. بالنهاية هي (الآوت فت) حقك
:ولخصت أخرى فلسفة المرونة بقولها
من سنوات وأنا توجهي للفساتين، والسبب انها قطعه وحدة، اتعب من التنسيق لاكثر من قطعه وبنفس الوقت اشوف ان الفساتين افخم وافضل وفيها تنوع شي حق مناسبات وشي حق يومي
يرتبط هذا التحول بالحراك الاجتماعي في المدن الكبرى كالرياض وجدة، إذ انتقل أكثر من 75% من النشاط اليومي إلى الفضاءات العامة، مع تغير أنماط السكن نحو الاستقلالية، فبعد أن كانت "الجمعات المنزلية" هي الأساس قديماً، انتقل ثقل الحياة الاجتماعية اليوم إلى الخارج (المطاعم، والمقاهي، والفعاليات المفتوحة)، مما جعل العباية تظهراليوم كخيار متجدد وواجهة أساسية للإطلالة في هذه المجالس البديلة
أدى هذا الانتقال إلى تحول في أولويات الإنفاق؛ حيث بات التركيز الاستهلاكي منصباً على العباية باعتبارها الرداء الأول الذي يُرى في الأماكن العامة، وهو ما يبرر استعداد المستهلكة لتركيز ميزانيتها عليها، حتى وإن كانت من علامات تجارية فاخرة. وفي هذا السياق، ساهم تزايد حضور المرأة في سوق العمل والمساحات المشتركة في تعزيز هذا السلوك؛ إذ برزت ثقافة القطعة الواحدة (العباية) كخيار يختصر متطلبات التنسيق للمرأة المزدحمة بمهامها، وتلخص إحدى المستهلكات هذا الواقع المهني بقولها: "أدرس بالعباية وأشتغل بالعباية.. ماعاد أهتم بتنسيق الملابس تحتها مثل قبل". هذا الواقع جعل فئات مثل البناطيل والقمصان تتراجع لتصبح قطعاً ثانوية لا تستدعي البحث المستمر عن علامات تجارية عالمية فاخرة، بل يكفي أن تكون مريحة وعملية
لم يعد ارتداء القطع التقليدية المحدثة مثل الجلابيات والفساتين محصوراً في المناسبات فقط؛ نرى اليوم توجه يقوده الجيل الجديد نحو الاعتزاز بالهوية في تفاصيل الحياة اليومية. هذا الجيل فرض واقعاً مختلفاً في السوق، حيث ظهر اهتمام الفئات الشابة بتصاميم تجمع بين البساطة والطابع السعودي، مما خلق قبولاً واسعاً لهذه الأزياء في "الطلعات" اليومية واللقاءات العادية
ودفع هذا الإقبال الشبابي المصممين وعلامات الأزياء إلى تحسين جودة التصاميم وتقديم ابتكارات بجمالية أعلى تتناسب مع فئات عمرية أصغر، بعد أن كان حضور هذه القطع يغلب سابقاً على خيارات كبار السن، وباتت الأولوية في مواسم رمضان والأعياد ويومي التأسيس والوطني تتركز على اقتناء قطع مريحة تعبر عن الذوق المحلي
ويظهر هذا النضج في ذائقة المستهلك اليوم من خلال وضع "البصمة الثقافية" كأولوية عند الشراء؛ إذ لم تعد القيمة مرتبطة فقط باتباع الموضة، بل في اقتناء قطع تدمج هويتنا بمتطلبات الحياة الحالية، مما يجعلها القطع الأكثر أهمية واستدامة في خزانة الملابس، تقول إحداهن واصفة تجربتها
صرنا نحب الجلابيات والفساتين والذهب، زاد وعينا بهويتنا العربية
سيكولوجيا الأنوثة
بمنأى عن الاعتزاز الثقافي، ثمة محرك نفسي آخر يقود الدفة؛ وهو ارتباط الاختيار بالوعي الذاتي، وتشير بعض الإحصائيات المرتبطة بمنصات التواصل إلى أن 70% من الفئات المستهدفة تفضل هذه الخيارات لقدرتها على تحقيق معادلة تجمع بين الاحتشام والراحة، بالإضافة إلى مساهمة المحتوى الذي يركز على ( معايير وطاقة الأنوثة ) في تغير قناعات فئة من الإناث نحو اختيار الفساتين والجلابيات والعبايات الانسيابية كتعزيز لفكرة النعومة والأنوثة والجمال الشخصي، وتؤكد محركات البحث زيادة بنسبة 285% في الكلمات المتعلقة بالأزياء المحتشمة والقصات الانسيابية في المواسم الأخيرة
غياب المنافس العالمي وقوة المحلي
أظهرت التجربة أيضًا وجود فجوة في فهم المنافس العالمي لمتطلبات الذوق السعودي في تصميم العبايات والجلابيات والفساتين؛ إذ يميل المستهلك اليوم إلى رفض المنتجات التي تفتقر للروح أو دقة التفاصيل المرتبطة بالهوية، وهذا الوعي جعل السوق مساحة للمصمم المحلي الذي يدرك أن الأناقة اليوم لا تنفصل عن الاحتياج اليومي والنمط المعيشي للمستهلكة السعودية
رؤية منسوج للسوق
إن الربط بين مؤشرات الأسعار وتفضيلات المستهلك يبعث برسالة واضحة للعلامات التجارية، أن السوق السعودي اليوم يبحث عن العلامات التي تفهم نمط حياته، حيث لم تعد المنافسة محصورة في السعر، بل في مدى قدرة العلامة على تقديم الحلول الملبسية من عبايات وجلابيات وفساتين تجمع بين الهوية والحداثة والاحتياج اليومي للعميلة السعودية
وللغوص في تفاصيل هذه التساؤلات واستقراءً لنبض الشارع، هُنا تلخيص لأسباب التحول في سلوك المستهلكة السعودية عبر الاستطلاع الذي طرحناه سابقا على منصة إكس، وهي
:١. سهولة التنسيق والراحة
تقول نورة واصفةً تجربتها: "الفساتين والجلابيات قطعة وحدة؛ بدون وجع راس في تنسيق الألوان، تنامين فيها إذا خفيفة وسادة ومالك خلق تبدلين، توفر مكان بالغسيل والكوي والدولاب، أنسب لذهبي المركون بالدولاب."
:٢. تغير نمط الحياة الاجتماعية
تؤكد إحدى المشاركات أن أماكن الخروج هي المحرك الأساسي بقولها: "ايه الصراحه لان الطلعات تغير سلوكها بدل ماكان بيوت ونلبس اي شي صرنا مطاعم وقهوه ونلبس العبايات والملابس مسحوب عليها تماما."
:٣. الستر واخفاء عيوب الجسم
توضح إحدى الردود ميزة هذه القطع قائلة: "عن نفسي من زمان افضل الفساتين والجلابيات لانها قطعة وحدة ومحتشمة وتناسب كل المناسبات وفعلاً تخفي العيوب اما البناطيل اي زيادة في الوزن تبان وتصميمها ثابتة وما تعدم بسرعة."
:٤. العودة للأصالة والهويه
تذكر احداهن واصفةً تغير الذوق العام: "الستايل المحتشم من جلابيات وفساتين صار هو السائد بالعزايم فعلا الذوق تغير وصار من النادر لبس البناطيل والبدل حتى بجمعات الاهل البنات صار ذوقهم محتشم وعربي اكثر."
وفي نهاية المطاف، تعكس هذه الأرقام واقعاً ملموساً في السوق المحلي، حيث أصبحت الأولوية في خزانة المرأة السعودية تميل للقطع التي تخدم نمط حياتها اليومي وتلبي احتياجاتها العملية، وهو ما تؤكده إحصائيات المبيعات وردود المستهلكات على حد سواء، ليترسخ هذا النمط كواقع مستقر في قطاع التجزئة بالمملكة

فريق التحرير: أثير الحربي، غادة الناصر، دانة النعيم، هاجر مبارك، منار الأحمدي، وجدان المالكي
منسوج، نُبقيك في صدارة مشهد الأزياء السعودي

