لأسباب كثيرة، يستمر الناس في استهلاك الموضة السريعة وتداول أحدث منتجاتها بطرق مختلفة. لكن هذا لا يتعارض مع امتعاضهم من بعض الرموز المرتبطة بها، خصوصًا بعد تحوّل هذا الامتعاض من وعي بيئي وصحي تدعمه الدراسات والأبحاث إلى خطاب ثقافي وصورة نمطية تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي. في الموضة، تحوّل البوليستر من خامة ذات ألياف صناعية إلى كلمة مشحونة بالحكم السلبي لأنه أصبح رمزًا لثلاثة أشياء يرفضها الناس اليوم، وهي الرخص والضرر البيئي والطابع الصناعي البلاستيكي البعيد عن الطبيعة. قد تبدو قضية البوليستر في ظاهر الأمر مسألة شخصية متعلقة بالوعي البيئي وصحة الإنسان، ولكن في الواقع الموضوع أعقد، ففهم الموضة المعاصرة يحتاج إلى فهم هذه المادة، لأن حضورها حاوط مُختلف أنواع الملابس، من الراقية أو السريعة، كما أنها الأكثر استخدامًا في العالم. ولذلك ظهر هنا سؤال مهم، لماذا البوليستر، وهل هو دائمًا سيء؟

تكوّن البوليستر كألياف قابلة للغزل عام 1941، ثم دخل سوق الملابس فعليًا بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصًا في الخمسينيات. سُوِّق كمعجزة لأنه في لحظة ظهوره بدا وكأنه حلّ سحري لتسهيل الحياة والمشكلات اليومية مع الملابس، فهو خفيف ومتين ولا يحتاج للكي تقريبًا، ويجف بسرعة ويقاوم التجعد والبقع ويستطيع أن يحتفظ بالشكل والثنيات، كما كان يُنظر إليه كنموذج على الحداثة والتكنولوجيا والمستقبل. حينها، كان البوليستر ما يزال مرتفع السعر نسبيًا، حتى انخفضت أسعاره في الستينيات مع التوسع الهائل في الإنتاج وزيادة المنافسة بين الشركات. كانت الستينيات مرحلة الازدهار الكبير لهذه المادة، حيث انتقلت من كونها محدودة على البدلات الرجالية والملابس العملية تقريبًا إلى الملابس الجاهزة والأقمشة المخلوطة، بل وصلت حتى إلى قمة الموضة ودخلت في إحدى تصاميم مجموعة كريستوبال بالنسياقا الراقية لخريف 1966. استمر البوليستر في التوسع الكمي داخل السوق حتى السبعينيات ولم تتوقف الشركات والمصانع عن انتاج المزيد منه، ولكن سرعان ما انقلب الأمر في أواخر السبعينيات وبدأ البوليستر بالسقوط التدريجي بسبب الشعور بالإرهاق من خامة مكررة وموجودة في كل مكان، إلى جانب صعود ثقافة "الهيبيز" التي ساهمت في توجيه الذوق العام إلى خيارات طبيعية ترفض هيمنة الصناعة والبلاستيك على حياة الإنسان. في ذلك الوقت، وعلى الرغم من استخدامه في بعض الأزياء الراقية إلا أنه كان من الصعب توقع عودته في الموضة الأوروبية كرمز جمالي مقنع بالدرجة نفسها بسبب تضرّر سمعته وانتاجه المفرط
لكن كان للبوليستر ميزة تصميمية ساهمت في عودته ومنحته أفضلية على كثير من الأقمشة التقليدية لبعض البنى والأشكال، وهي قدرته على التشكل وتثبيت البنية المطلوبة. تأتي هذه الميزة لأن البوليستر مادة ترموبلاستيكية، أي أن أليافه تلين بالحرارة ثم يمكن تثبيتُها على شكل جديد عند التبريد، ولهذا يمكن إعطاؤه طيات أو انحناءات أو بنية محددة، ثم يحتفظ بها بشكل أفضل من كثير من الخامات الطبيعية. كان هذا ملفتًا بالنسبة للمصممين اليابانيين مثل إيسي مياكي وري كاواكوبو ويوجي ياماموتو الذين كانوا يشتغلون على أشكال وأحجام وحركة غير مألوفة في الموضة الغربية، ولم يكونوا محكومين بنفس العقدة الأوروبية تجاه البوليستر؛ بل قرأوه كمادة تساعدهم في بناء التصميم وربطوه بالطليعية والهندسة والابتكار في النسيج
ترسّخ الحضور الياباني الطليعي في باريس بقوة في الثمانينيات، حيث قدموا منظورًا مختلفًا لعلاقة الجسد والقماش، وهو منظور يمكن قراءته من خلال مفهوم ياباني مثل "ما" أي الحيّز الفاصل أو الفراغ الدال بالعربية، يقوم على اعتبار الفراغ مسافة لها وظيفة جمالية ومعنى. كان هذا المنظور يفصلهم عن الفكر التصميمي الأوروبي في الموضة آنذاك، المرتكز على رسم القماش على الجسد بطريقة دقيقة مع أقل مساحة فراغ ممكنة، وأيضًا يدفعهم إلى خوض تجارب تغيّر المفهوم الجمالي للجسد ويتخللها نقد لقواعد الموضة السائدة. تمكّن المصممين اليابانيين من تغيير صورة البوليستر على مستوى نقدي وفني في الثمانينات، حيث اكتسبت المادة معنى آخر غير متعلق بسهولة الحياة ولا قيمتها في السوق بل بالرؤية الفنية وقدرتها على إنتاج بنى هندسية أو طليعية كمفهوم جمالي مختلف. ومن جهة اخرى وفي أواخر الثمانينيات، استثمرت الصناعة في تطوير المادة أكثر وأصبحت أقمشة البوليستر أفضل من ناحية الملمس والتهوية والمقاومة لمشكلة العرق والرائحة، كما أنه أصبح مناسبًا للملابس الرياضية والملابس الوظيفية، وهنا لم تعد عودته مبررة من منظور جمالي فقط، بل عاد مفيدًا في أسلوب الحياة مرة أخرى، وله قيمة فنية وتجارية في آنٍ واحد
مهّد التطور التقني الذي بلغته صناعة البوليستر في أواخر الثمانينيات لدور أقوى للمادة في العقد التالي. في التسعينيات، كانت خصائص البوليستر مثل سعره المنخفض وسرعة انتاجه وسهولة إنتاجه المتكرر على نطاق واسع مثالية جدًا لتجعله المكوّن الأساسي للموضة السريعة التي لم تكن لتتطور بهذا الشكل الكبير لولا الألياف الصناعية، فهذا النوع من الألياف يدعم بشكلٍ كبير حاجة الموضة السريعة للخامات الرخيصة والإنتاج الكمي الهائل وفكرة أن المستهلك يستبدلها بعد عدة استخدامات. في دراسة مهمّة تتتبّع التاريخ الثقافي للبوليستر، تذكر آنِكه سميليك، وهي أستاذة فخرية في الثقافة البصرية ودراسات الموضة بجامعة رادباود، أن التوسع الكبير في استخدام المادة في التسعينيات لم يكن مجرّد فترة تكرار مبتذل، بل توضح أن جودة البوليستر تحسنت وأن بعض أنواعه أصبحت أقرب إلى الحرير في الملمس والانسياب، مما يشير إلى أن البوليستر صار أفضل تقنيًا، لكنه في الوقت نفسه صار أكثر ارتباطًا بنظام الاستهلاك السريع. منذ التسعينيات وحتى اليوم، لم يتراجع البوليستر عن مكانته في صناعة الأزياء، لاسيما السريعة منها، بل واصل التوسع ولكنه بدأ يواجه النقد البيئي والدراسات والأبحاث المرتبطة بأثره
في الواقع، مشكلة البوليستر مرتبطة أكثر بالسياق والنتيجة وليست بالمادة نفسها. فمن الناحية البيئية، أكبر مشكلة فيه أنه من الألياف الصناعية المرتبطة بالوقود الأحفوري، كما أن المنسوجات الصناعية، ومنها البوليستر، تُسهم في طرح اللدائن الدقيقة (ميكروبلاستيك) إلى المياه. ومشكلته ليست فقط في الإنتاج، بل أيضًا في ما بعد الاستخدام، فهو لا يختفي سريعًا، كما أن الأقمشة المخلوطة تجعل التدوير أكثر تعقيدًا، أي أن أثره يمتد طويلًا داخل دورة النفايات، وهذا ما يجعله معضلة بيئية. أما على مستوى صحة الإنسان، فتظهر مشكلاته أكثر لدى البشرة الحساسة أو المصابة بالإكزيما، لأن الأقمشة الصناعية مثل البوليستر قد تؤدي إلى حساسية أو التهاب في بعض الحالات بسبب الاحتكاك والحرارة والتعرق. في مقال نُشر على موقع الأكاديمية الأمريكية للأمراض الجلدية، يذكر أن الأقمشة نفسها نادرًا ما تكون مسببة للحساسية، ولكن المواد الكيميائية والأصباغ المستخدمة في معالجتها قد تسبب تفاعلًا تحسسيًا. وأكثر أصباغ الحساسية شيوعًا هو صبغ يُسمى الديسبرس بلو، ويُستخدم في صباغة الأقمشة الصناعية مثل البوليستر والنايلون. كما يذكر موقع "ديرم نت" أن المشكلة قد تأتي من القماش نفسه، لكن الأكثر شيوعًا هو الحساسية أو التهيج بسبب الأصباغ ومواد التشطيب. ثقافيًا، لم يعد البوليستر ينظر إليه كمادة ممتازة للتصاميم الطليعية والملابس الوظيفية بل أصبح مرتبطًا بالإنتاج الكمي الهائل، ويمثل اليوم صورة الاستهلاك السريع ويكشف عن منطق السوق التجاري. رسّخ ذلك افتراضًا بأن الموضة تعتمد عليه بشكلٍ كبير لسعره المنخفض فقط، وعلى الرغم من أن ذلك صحيح نسبيًا إلا أنه يُلغي حقيقة أن هناك من يستخدمه لأسباب تصميمية ومنطقية في الوعي العام. كما أن كثيرين يتجاهلون الأقمشة المخلوطة بالبوليستر ونسبة المادة فيها، فمثلًا قد تعد نسبة 20% بوليستر منخفضة نسبيًا، وتحتمل أن يكون البوليستر هنا عنصر مساعد وليس فقط لخفض التكلفة
مع عدم توفر خامة طبيعية تقوم بكل ما يفعله البوليستر، تصبح الحاجة إلى هذه المادة مبرّرة أحيانًا من منظور تصميمي ووظيفي؛ فالمسألة أعقد من أن تكون أبيض أو أسود. ولذلك، فإن الحكم النهائي على أن كل من يستخدمه يسعى فقط لخفض تكاليفه على حساب البيئة وصحة الإنسان هو حكم غير منصف، ويكشف عن قراءة مبسطة لآلية عمل الموضة. يمكننا خفض الأثر السلبي وانتشار المفهوم الخاطئ عندما نتوقف عن تداول النقد العشوائي ونحوّل السؤال من "هل القطعة مصنوعة من البوليستر؟" إلى "هل استخدام البوليستر أضاف شيئًا لهذه القطعة؟" ففي نهاية المطاف البوليستر لا يحتاج إلى موارد زراعية ولا إلى مبيدات وأسمدة سامة كما في القطن التقليدي، كما أن إنتاجه قد يستهلك مياه أقل. لكن هذا لا يلغي مشكلاته الأخرى، وعلى رأسها ارتباطه بالوقود الأحفوري والميكروبلاستيك

فريق التحرير: غادة الناصر، دانة النعيم، هاجر مبارك، منار الأحمدي، وجدان المالكي
منسوج، لكل ما يخُص قطاع الأزيـاء المحلي
