قد يكون أهم ما يميز موضوع حفل المِت قالا لعام 2026 هو المسعى الواضح من متحف المتروبوليتان لإعادة تقديم الموضة داخل سياق ثقافي وفني أوسع وأعمق، والتعامل معها بوصفها وسيطًا قادرًا على إنتاج المعنى والتاريخ والهوية. وقد أعاد هذا التوجه فتح جدل قديم حول العلاقة بين الموضة والمؤسسة الفنية، وحول الأسباب التي أبقتها لعقود طويلة على هامش الاعتراف النقدي، رغم حضورها العميق في تشكيل صورة الإنسان والمجتمع

تاريخيًا، جرى حصر الموضة داخل ما سُمّي بالفنون الآلية، أي الفنون التي تُقاس بمنفعتها قبل قياسها بجمالها. ففي مقابل الفنون الجميلة، مثل الرسم والنحت والموسيقى، التي اعتُبرت تعبيرات خالصة عن المتعة والتأمل، وُضعت الموضة إلى جانب العمارة في خانة الفنون التي تخدم الجسد أو الحاجة اليومية، هذه التصنيفات جعلت الموضة تبدو في نظر النقاد ممارسة أدنى مرتبة، ولا يمكن أن ترقى إلى منزلة الفن الحر، حتى وإن كان يحمل في داخله قدرًا عاليًا من الابتكار والصياغة

وأحد أسباب نبذ الموضة هو طبيعتها سريعة التغير، وهو ما يتصادم مع رغبة الفلاسفة في «الخلود». فلاسفة الفن قدسوا التماثيل واللوحات لأنها ثابتة، بينما سُفهت الموضة لأنها «زائلة». غير أن هذا التغير والزوال نفسه هو مصدر قوتها، إذ يكشف عن فن يعيش اللحظة الإنسانية بكل تقلباتها، ويجعل من السرعة وسيلة لالتقاط التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية. ولهذا السبب أصبحت لاحقًا مساحة يُستعار منها الفن، ويستعير منها الفن بدوره

وهنا يظهر سؤال لا يقل جدلًا: هل الفنان مصمم، وهل المصمم فنان؟ الفصل بينهما صنعته طرق مختلفة في فهم الإبداع، الفرق بينهما هو أن الفنان يُمنح عادة مساحة أوسع من الحرية، لأنه يعمل داخل منطق التعبير الخالص، بينما يتحرك المصمم داخل منطقة أكثر تعقيدًا، لأنه يوازن بين الفكرة والجسد والمواد وإمكانية التنفيذ والبيع. ولكن مع ذلك، كلاهما يبدأ من الحس نفسه، تخيّل شكل لم يكن موجوداً بعد، ثم إعطاؤه هيئة قابلة للرؤية

وفي المقابل، لم تدافع الموضة عن نفسها بشكل كافٍ حين انزلق تغيرها الطبيعي إلى منطق استهلاكي سريع جداً، حيث تتوارى داخل دورة موسمية متسارعة لا تمنحها وقتًا كافيًا لتُقرأ أو تُفهم في سياقها الأوسع. إلى أن ترسخت صورتها كصناعة تخاطب مصالح السوق أكثر مما تبني خطابًا ثقافيًا متماسكًا يربطها بالتاريخ والجسد والهوية والتحولات الاجتماعية. وكان هذا التوجه مفهومًا من زاوية المنفعة الاقتصادية، غير أن منطق الربح كثيرًا ما تجاوز حدّه، فصار يضغط على الفكرة بدل أن يخدمها

وربما لم تعد القضية اليوم تتعلق بإثبات أن الموضة فن، بقدر ما تتعلق بإعادة النظر في تعريف الفن نفسه، وفي الأسباب التي جعلت كل ما يقترب من الجسد واحتياجات الحياة اليومية أقل استحقاقًا للاعتراف الثقافي


كن أول من يعرف

تحديثات أسبوعية تبقيك في صدارة أخبار وثقافة الأزياء السعودية


Comments

Avatar

or to participate


آخر الأخبار