غالبًا ما نلاحظ في الأزياء التقليدية السعودية، تكرارًا لزخارف هندسية دقيقة ونقوش نباتية متشابكة. تظهر على الأثواب، في التطريز، وعلى أطراف الأكمام، أو داخل تكوينات القماش نفسه. وفي كل مرة تعود هذه الأنماط إلى الواجهة، يتجدد الفضول: لماذا استُخدمت هذه الزخارف بالتحديد دون غيرها؟ وهل كانت مجرّد خيارات جمالية تُحاكي الطبيعة، أم أن لها جذورًا أعمق في التاريخ الثقافي للمنطقة؟

المسدح الهاشمي

بالنظر إلى تاريخ الفن الإسلامي، نرى أن هذه العناصر تؤدي وظيفة أبعد من الزينة، فهي نظام في اللغة الفنية يحمل دلالات فكرية وروحية، فمع تحفّظ الإسلام على تصوير الأرواح، ابتكر الفنانون المسلمون أساليب أخرى للتعبير، واعتمدوا على الرياضيات والهندسة لتأسيس لغة شكلية متكاملة

وفكرة التوحيد هي مركز هذا الفن، فكما أن الكون كلّه يعود إلى خالق واحد، فإن معظم الزخارف الإسلامية تعود إلى مركز هندسي ثابت، تنطلق منه الخطوط، وتعود إليه، في حركة لا نهائية. ولهذا لم تكن الأنماط الهندسية مجرد «أشكال متكررة»، بل تجسيد لفكرة كونية: أن كل شيء منظَّم، محسوب، وله أصل

أشهر هذه التكوينات ما يُعرف بـ«الطبق النجمي»، وهو نمط زخرفي يعتمد على تقسيم الدائرة إلى وحدات هندسية تنسج معًا نجومًا متعددة الأضلاع. هذه الأنماط تُنفَّذ بدقة رياضية، بزوايا وقياسات مدروسة، وتمنح العين إحساسًا بالامتداد والتناغم والانضباط، والفكرة هنا ليست عشوائية، وراءها فهم فلسفي يربط الجمال بالتكرار وانتظام التفاصيل.

الطبق النجمي

وإذا كانت الهندسة تعيد كل شيء إلى مركز وأصل، فحتى الطبيعة تحمل المعنى نفسه. هي تدهشك بجمع الضدين، حرية الشكل في ظاهرها، وانضباط التكوين في باطنها. تبدو النبتة متعرجة، ثم تكتشف في داخلها ترتيبًا وهندسة مدهشة. لذلك لم يتجه الفنان المسلم إلى محاكاة الأزهار كما تراها العين، بل حاول أن يفهم حركتها ومنطق نموها، ثم يفككها ويعيد صياغتها داخل نظام هندسي متجانس

يرى عدد من الباحثين في تاريخ الفن أن الفنان المسلم عبّر عن رؤيته الروحية من خلال ثلاث أدوات أساسية: الهندسة، الإيقاع، والنور. وفي هذا السياق أيضًا، لعبت الألوان دورًا محوريًا، إذ ارتبطت وفرتها ولمعانها برغبة فنية في استحضار أجواء الجنة، كما ورد وصفها في القرآن، بوصفها عالمًا مشبعًا بالجمال والضوء والحياة

وبطبيعة الحال، تسلّل هذا الفن، في بعض مظاهره، إلى الأزياء التقليدية. فالنقوش التي تُطرّز بخيوط الذهب أو الفضة، هي امتداد لهذه اللغة، التي وجدت في القماش وسيلة أخرى لتأكيد علاقتها بالنظام والجمال والرمز

:الفنان الأمريكي تشارلز إييمز كتب ذات مرة

 “Design depends largely on constraints. A great deal of creativity is born from the discipline of limits”

تشارلز إييمز

 أي أن القيود هي ما يدفع الفنان أحيانًا للابتكار الحقيقي. والفن الإسلامي خير مثال على ذلك. فقد نشأ من حدود صارمة، لكنه لم يتوقف عندها، بل تجاوزها، وابتكر منها فنًّا قائمًا على الدقة، والانضباط، والتأمل

ويُثار هنا سؤال متكرر: لماذا شدّد الإسلام في تصوير ذوات الأرواح؟

التفسيرات الشائعة في هذا الباب متعددة، وتتسع تفاصيلها باختلاف السياقات. لكن أبرز ما يجمعها هو خشية أن تنقلب الصورة أو التمثال إلى موضع مهابة وتعظيم. وهذه القراءة تبدو أكثر قابلية للفهم إذا وُضعت في ظرفها العقائدي والتاريخي، لا إذا اقتُطعت منه

.فالإسلام جاء في زمنٍ كانت فيه الصورة والتمثال يملكان قابلية عالية لأن يتحوّلا إلى موضع تعلّق، وتعظيم لا يليق إلا بالله. فجاء الخطاب واضحًا في إعادة اتجاه القلب، لا تعظيم لمخلوق، بل تعظيم لربّ الخلق وحده.أما اليوم، فنحن نعيش سياقًا مختلفًا إلى حدّ بعيد، خصوصًا في بيئات كثيرة لم يعد فيها أحد يعلّق صورة ثم يتضرّع لها، وإن بقيت مثل هذه الممارسات عند بعض البيئات القليلة، لذلك يبدو طبيعيًا أن يرى كثير من الناس رسم الأشخاص أمرًا عاديًا اليوم، وأن يشعروا بأن العلة التي كانت تُخشى قد ضعفت أو تراجعت مع اتساع المعرفة الدينية وتراكم التجربة التاريخية.ومع ذلك تبقى مسألة أهل العلم أدرى بميزانها وحدودها

غالبًا ما يُنظر إلى القيود، خاصة في المجالات الإبداعية، كعقبات تُحدّ من حرية التعبير، أو كقوالب صارمة تكبّل الخيال. لكن التجربة الإسلامية في الفن تقترح منظورًا آخر تمامًا: أن القيود ليست نهاية المسار، بل بدايته. ففي اللحظة التي يُمنع فيها الفنان من الاعتماد على أدوات جاهزة (كتصوير الوجوه أو تجسيد الأجسام) يضطر إلى البحث عن أدوات جديدة. وهنا، يتحوّل القيد إلى سؤال مفتوح: كيف يعبّر الفنان إذا مُنع؟

القط العسيري في النوافذ

هذا التحدي هو ما أنتج لغة الفن الإسلامي. لغة لا تتكئ على المحاكاة، بل على الاقتراح. لا تُظهر المعنى، بل تلمّح إليه. وهذا ما منح الفن الإسلامي قوة رمزية مدهشة، لأنه لم يكتف بنقل الواقع، بل سعى إلى تأويله وتفكيكه وإعادة بنائه بطريقة تتماشى مع التصورات العقائدية والثقافية للمجتمع الإسلامي

يمكن القول إن هذه التجربة تُعلّمنا أن غياب بعض الوسائل لا يعني بالضرورة غياب الإمكانية. بل العكس، أحيانًا عندما تُغلق بعض الأبواب، يُفتح باب أوسع على الخيال، ويبدأ الفنان برؤية الأشياء بشكل مختلف، أدق، وأعمق. ولذلك، لم يكن الفن الإسلامي فنًا «ناقصًا» كما صوّره البعض في الغرب سابقًا، بل كان فنًا متماسكًا له منطقه الداخلي، وأدواته الخاصة، ورؤيته المتميزة للعالم

ويظهر المعنى نفسه في تجربة بيتر مولييه مع دار عز الدين عليّة، ففي عام 2024 قدّم إحدى أجمل مجموعاته، المبنية على فكرة «الخيط الواحد» خيطٌ واحد من صوف الميرينو أُعيد ابتكاره عبر عشرات الأنسجة والتقنيات، القيد هنا قرار متعمّد يضيّق الخيارات ليرفع التحدي، ويُعرففي أوساط الموضة بـ«متلازمة المصمم الجائع»، حين يختبر المصمم أقصى طاقته داخل مادة واحدة أو قاعدة واحدة

من مجموعة عز الدين عليّة 2024 من تصميم بيتر مولييه

حين تتحوّل الحدود إلى محرّض على الخلق، والمحدودية إلى أسلوب له لغته ومنطقه وجماله

هذه المقالة بدعم من مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)وصندوق التنمية الثقافي

مصطلح اليوم

والبشكير يطلق أيضاً على قطعة كساء أو ثوب ينشف به ويرادفها بالعربية «القطيلة». كما اهتم العرب قبل الاسلام بالأزر وتفاخروا بلبسها. وكان إخاء المآزر دلالة على الترف وعلو المكانة الاجتماعية، لأن شد المآزر ورفعها وتقصيرها هي صفة لأهل العمل في الفلاحة والأمور المعيشية الأخرى أو التأهب للحرب والجد

لذلك كانت بعض من أوصاف المديح هي (كميش الإزار) أي أن من يكمش إزاره يتصف بالعزم والسرعة في إنجاز الأمور، كونهم يرون أن الدلال لا يليق بالرجال، أما للنساء فكان مستحباً اجتماعيا إطالة إزارها، كونها دلالة ترف وعدم اضطرار إلى القيام بأعمال شاقة

Login or Subscribe to participate

أخبار تهمك 📩

-

-

-

فريق التحرير: غادة الناصر، سفر عياد، بلسم الغشام، هاجر مبارك، وجدان المالكي

منسوج، لكل ما يخُص قطاع الأزيـاء المحلي


كن أول من يعرف

تحديثات أسبوعية تبقيك في صدارة أخبار وثقافة الأزياء السعودية


Comments

or to participate


آخر الأخبار

No posts found