بينما يقترب رمضان، تستعد الموضة بكل مستوياتها المختلفة، من السريعة إلى الفاخرة، لتقديم مجموعاتها الخاصة لمواكبة القوة الشرائية المرتبطة بالشهر، الذي على الرغم من ارتباطه العميق بالروحانية وأداء الفرائض إلا أنه يتمتع بذروة اقتصادية استثنائية. اعتادت الموضة، وتحديدًا العالمية الفاخرة، في العشر سنوات الأخيرة على أن تعير رمضان اهتمامًا خاصًا وليس بعيدًا عن اهتمامها بالمواسم الأخرى

:تقول ميرال يوسف، رئيسة «كيرنغ» في الشرق الأوسط وأفريقيا، لمجلة فوغ

رمضان لا يزال يمثل حصة معتبرة من الأعمال في أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا، ويحتفظ بأهمية استراتيجية قوية، لا سيما عندما يُقارب بقصد وملاءمة ثقافية

ميرال يوسف

أصبح رمضان محطة أساسية في التقويم العالمي تنافس مواسم الأعياد مثل رأس السنة ويوم الحب. وهذا الأمر لم يكن دومًا كذلك، ولا أظن أنه يجب أن يتوقف فقط عند هذه النقطة

من مجموعة لورو بيانا الرمضانية

حسب ما يمكن تتبعه من خلال الوثائق والأرشيفات، كان الظهور الأول لمجموعات موسم رمضان في السوق العالمية عن طريق «ماركس آند سبنسر» في 2007 عندما أطلقت الشركة ملابس أطفال صُمِّمت خصيصًا لرمضان وللاحتفال بالعيد وقُدِّمت حصريًا لعملاء الشرق الأوسط. لم تقدمها الشركة تحت مسمى مجموعة أو كبسولة، بل مجرّد عدد من القطع المناسبة لشهر رمضان. في نفس العام، كانت الشركة قد افتتحت في منطقة الخليج أكبر متجر لها خارج المملكة المتحدة، وهذا ما يجعلنا، بشكلٍ تقديري، نقول أن الشركة استخدمت رمضان كوسيلة للتكيّف مع السوق ولتوسيع فرصة النمو، خصوصًا مع صعود الأسواق الخليجية. أرشيف «ماركس آند سبنسر» يذكر أيضًا أن متاجر المملكة المتحدة اتبعت هذه الفكرة لاحقًا، مما يعني أن الطلب على الملابس الرمضانية قد وصل إلى لندن وغالبًا عن طريق العملاء الشرق أوسطيين أنفسهم سواءً السائحين أو المقيمين. وفقًا لتقرير «السياحة في لندن» الصادر عن الذراع الاقتصادي لسلطة لندن الكبرى «جي ال أيه» في 2012، كان السعوديين الأعلى إنفاقًا للفرد الواحد، متجاوزين الأمريكيين والأوروبيين وغيرهم. هنا، تعامل الشركة مع رمضان انتقل من كونه مبادرة لتلبية رغبة السوق المحلية إلى فكرة موسمية قابلة للتسويق ويمكنها توسيع نطاق الاستفادة التجارية عبر أسواق متعددة

بالطبع، هذه الشرارة لم تحوّل رمضان إلى «موسم» بعد، لكنها كانت بداية الموجة واستمرّت كسلوك شراء إقليمي غير مُسمّى. كان رمضان يُدار داخل بعض متاجر التجزئة بلا حملات أو إعلانات وبشكلٍ سطحي تقريبًا، حيث تتحوّل بعض الأرفف إلى قصَّات طويلة وألوان هادئة، وبالتأكيد الحصة الكبرى كانت لملابس العيد للأطفال كونها الخيار الأعلى ربحًا والأقل مخاطرة تجاريًا، كما أن اختيار فئة الأطفال يقلل التعقيد المتعلق بالاحتشام والرموز الرمضانية مقارنةً بفئة النساء، ويزيد من قابلية التوسع. مع بداية عقد 2010، ظهرت تقارير رسمية تشير إلى نمو قيمة الزائر الخليجي اقتصاديًا، وخصوصًا السعودي، في مدن التسوق الكبرى، ولحقها مصطلح رمضان رش «ذروة التسوّق الرمضانية» وكان يُستخدم، خصوصًا في لندن، لوصف طفرة التسوّق والسفر المرتبطة برمضان والعيد عندما ترتفع زيارات المتسوّقين من الخليج والشرق الأوسط لوجهات مثل هارودز ومايفير وويست إند، وتتكيّف المتاجر بخدمات «في آي بي» وموظفين ناطقين بالعربية وساعات عمل أطول وخدمات استرجاع الضريبة. ظهر المصطلح بوضوح في الصحافة البريطانية عام 2011 وأستمر يشق طريقة إلى أوروبا كـ «ظاهرة»، كما يصف تجّار التجزئة في لندن، حتى عام 2014 حيث ركزت العلامات الفاخرة مثل «ديور» و«لويس فيتون» و«بيربري» على الاستثمار التشغيلي والتجاري لفترة رمضان، مقدمةً حقائب فاخرة بإصدارات محدودة وخدمات خاصة، وفقًا لتقارير أسوشيتد بريس

الذروة الرمضانية كانت تتجاوز تسوّق الملابس، ذكرت متحدثة باسم هارودز في تقرير «ايه بي»، المنشور في 29 يونيو 2014 والذي أُعيد نشره في «لوس أنجيليس تايمز»، أن هدايا الطعام مثل سلال الفاكهة الفاخرة والتمر المعبّأ بعناية واللوز المغطّى بالكاكاو، كانت تشهد أيضًا رواجًا كبيرًا، مما يعني أن الذروة كان لها تأثير يشمل مختلف قطاعات التجزئة. يذكر التقرير أيضًا أن مركز «ويست فيلد»، أحد أكبر مراكز التسوق في أوروبا، كان يأمل في تحقيق مبيعات قياسية بدعم من موظفي استقبال إضافيين يتحدثون العربية وسائقين شخصيين، وللمتسوّقين الأكثر نشاطًا تتوفر خدمة «التسوّق دون حمل الأكياس» حيث يتولى مساعدين جمع المشتريات وترتيبها في السيارة. هنا، وصولًا لعام 2014، نستطيع أن نقول أن الموضة الفاخرة كانت تتعامل مع رمضان كموسم تسوق، وتزوّده ببعض المنتجات الخاصة وتحاول بشكلٍ كبير أن تكون جزء منه

:في مقال نشرته صحيفة «عرب نيوز» في يوليو 2011، تقول كاتبة المقال مريم مصلي

أن الموضة الفرنسية أصبحت تُصدَّر إلى السعودية من خلال افتتاح بوتيكًا فاخرًا تلو الآخر، بفضل عدد من شركاء التوزيع السعوديين الذين يستفيدون من القوة الشرائية المستقرة للمستهلك السعودي

مريم مصلي

هذا يشير إلى أن الموضة الفاخرة كانت قد وضعت منطقة الخليج نصب عينيها منذ 2010 وتحديدًا المملكة، خصوصًا أن الكاتبة تذكر أن سوق التجزئة الفاخرة في السعودية شهد «خلال السنوات الثلاث الماضية تحولًا كاملًا، مع تجديدات جذرية للبوتيكات لتعكس بدقة متاجرها الرئيسية الدولية» بالطبع، كانت العلامات الفاخرة موجودة في السعودية من قبل، فمثلًا «شانيل» افتتحت أول متجر سعودي لها في 2001 على طريق التحلية في جدة، ولكن عقد 2010 رأت فيه الموضة الفاخرة اهتمام أكبر من العملاء الخليجيين عامةً والسعوديين خاصةً نتيجة تقارير السياحة والسفر ودراسة قاعدة العملاء. تذكر مصلي في مقال «عرب نيوز» أيضًا أن «شانيل» كانت تُصنِّع أطوال فساتين حصريًا للمملكة، وبالمثل، يحمل متجر «كريستيان لوبوتان» حذاءً بإصدار محدود صُنع خصيصًا للعميل السعودي، كما تطلب «رباعيات» من مصمميها العالميين تنفيذ مجموعات كبسولية وقطع حصرية لمتاجرها في أنحاء المملكة، وذكرت بالتحديد عباءة «ارماني» مما يشير إلى أن الموضة الفاخرة كانت أيضًا تتعامل مع متطلبات رمضان محليًا وعالميًا، وأن هناك اهتمام في رمضان لكنه محدود جدًا ويظهر فقط داخل المتاجر

حتى تلك الفترة، أي بداية عقد 2010، كانت الموضة الفاخرة تتعامل مع رمضان كموجة تسوق وتترجم سلوك العميل الخليجي بأنه يبحث عن ملابس مميزة ومحتشمة وقريبة إليه مثل العبايات والجلابيات، وهذا ما كان موجود بالفعل في أفرعها الخليجية وفي المتاجر متعددة الأقسام مثل هارفي نيكولز، ولكنها لم تقدم مجموعات خاصة حتى الآن لأنها لم تلتقط بعد أن هذا السلوك قادر على أن يتحول إلى «موسم موضة»، خصوصًا أنها بطبيعة الحال كانت تتكئ على مواسم محددة وتعتمد بشكلٍ كبير على قراءة السوق من خلال باريس وميلانو ونيويورك. بقي رمضان بالنسبة للموضة العالمية نزعة استهلاكية مرتبطة بشريحة من العملاء الخليجيين ذوي القدرة الشرائية العالية وأقرب طريقة لترجمته هي «الموضة المحتشمة»، المصطلح الذي بدأ بالظهور في 2013

مع بداية رمضان في 2014، أعلنت «دونا كارين نيويورك»، الخط المشتق من علامة «دونا كارين» للمصممة الأمريكية دونا آيفي فاسك، عن اطلاق مجموعة رمضانية مكونة من بناطيل وبلوزات وتنانير وفساتين تجمع بين الاحتشام وملاءمة أجواء الصيف وتأتي بألوان ونقشات احتفالية، مستعينةً بمؤثرين محليين لتحفيز الحملة الاعلانية. كانت هذه أول مرة يظهر فيها مصطلح رمضان كولكشن «مجموعة رمضانية» في الموضة العالمية، وجاءت المجموعة بالتزامن مع الموقع الإلكتروني الخاص بالشرق الأوسط الذي أطلقته «دونا كارين نيويورك»، وبحسب موقع سافوار فير، تُعد هذه أول حملة إقليمية مخصّصة في تاريخ العلامة. اتبعت «دونا كارين نيويورك» نفس نهج «ماركس آند سبنسر» في الاستثمار المحلي ولكنها رفعته إلى مستوى جديد وأعطته اسم، حيث انتقل رمضان من كونه موجة شرائية محصورة في سلوك العميل واستجابة التجزئة إلى محور قابل للاستثمار الإبداعي والتخطيط المسبق. هنا انقسمت الموضة بين شجاع وخائف، لأنها لم تستطع تجاهل الطلب. علامات مثل «دولتشي آند غابانا» و «سي اتش كارولينا هيريرا» و«تومي هيلفيغر» و«مايكل كورس» و«اتش آند إم» و«مانقو» و«زارا» لم تتأخر عن اللحاق بتلك الخطوة خلال السنوات التالية (2014—2017) وقدمت تدريجيًا مجموعات رمضانية، وهذه المجموعات قوبلت بالموافقة والنقد في آنٍ واحد

لم يكن الجمهور المسلم يرفض دخول العلامات إلى رمضان لكنه رفض تأخر العلامات في اطلاق المجموعات وبعض التصاميم التي كانت لا تناسب مع جماليات الشهر، بل حتى وصل النقد إلى أن العلامات تتعامل مع العميل المسلم وكأنه عميل خليجي فقط، كما يشير مقال «ريفاينري29» في يونيو 2016. ولهذا السبب، علامات مثل «اوسكار دي لا رينتا» كانت تقترب من رمضان دون استخدام مصطلح رمضان كولكشن وتكتفي بكلمات قريبة الوصف مثل "مسائي و احتفالي" مع تركيزها على منطقة الشرق الأوسط. أما العلامات الفاخرة الأعلى قيمة مثل تلك الموجودة تحت مظلة ال في إم اتش وكيرنغ، فاستمرت حتى 2017 وهي تجدد استثمارها التشغيلي بدون اطلاق مجموعات خاصة لرمضان. هنا، يمكننا حصر أسباب انقسام الموضة حيال رمضان في نقطتين، وهم عدم رغبة الشركات في الدخول لمرحلة قد تسبب لها صدام ثقافي وعدم التأكد من القدرة على الالتزام برمضان من الناحية الإبداعية والتجارية خصوصًا أن عدم ثبات موعد رمضان، لكونه يعتمد على رؤية الهلال، شكّل للعلامات العالمية مشكلة تخطيط إنتاجي ومخاطرة مخزون وإلى حدٍ ما تعقيدًا في الحملات العالمية نظرًا لاعتماد الصناعة على منظومة دقيقة التوقيت، حيث تعمل الموضة بشكل مسبق لكل موسم، هذا إلى جانب صعود مصطلحين مختلفين في آنٍ واحد وهم الموضة المحتشمة «مودست فاشن» والاستيلاء الثقافي «كَلْتشرال أبروبراييشن»، حيث كانا هذان المصطلحان يكبران بطريقة ملحوظة في نقاشات الموضة ومواضيع الإعلام، ولذلك ينسب الفضل بشكلٍ كبير إلى «دولتشي آند غابانا» في تضمين التصاميم المحلية والرمضانية مثل العباءات والحجاب داخل الموضة العالمية بسبب اهتمامها بهذا الخط وتقديمها لمحلات إعلانية مصوّرة في عام 2016، وهنا التضمين لم يوفر أي شرعية ثقافية للعلامات لكنه بدأ موضة

من مجموعة دولتشي أند قابانا

كان للموضة المحتشمة أثر لطيف ومربح على الموضة الفاخرة، حيث تم تبنيها كنقطة دخول إلى رمضان خصوصًا مع صعود حركة منصات التسوق الالكترونية في 2018 وحتى 2019، مثل ذا مودست ونيت-ايه-بورتر وفارفيتش، التي بدأت تصنع المليارات. وفرت هذه المنصات طريقة دخول آمنة للعلامات الفاخرة مكّنتها من اختبار رمضان من دون صدام ثقافي، تسمى بالـ «ايديتس» وهي عملية تنسيق مجموعة قطع موجودة مسبقًا ولكن يعاد تقديمها كنافذة خاصة في الموقع بطريقة تتماشى مع مناسبة أو سياق معيّن. كانت هذه الأداة مثالية جدًا للتعامل مع رمضان بالنسبة للموضة الفاخرة، كونه كان «ولايزال» موسم عالي الحساسية من الناحية الثقافية، كانت الموضة تسمع الانتقادات والخطاب الحاد المصاحب للإستيلاء الثقافي والرغبة الشديدة في منع علامات الأزياء من استخدام ثقافات لا تنتمي إليها في تصاميمها وحملاتها، ولذلك كانت الأداة تمكنهم من تقديم قطع مناسبة لرمضان ولكنها بعيدة عن المخاطرة لكونها ليست مصممة بإسم رمضان. من الناحية الإدارية والتجارية، صنعت الـ «ايديتس» سوقًا رمضانيًا مختلفًا، وتطور مع الوقت حتى أصبحت العلامات الفاخرة لا تقاوم الموسم بسبب ارتفاع الطلب وظهور الـ «ايديتس» في مقدمة صفحات التسوق، مما صنع أيضًا رغبة في التنافس وعدم اضاعة الفرص. كانت الأداة مريحة لأنها إن فشلت فلن تُحسب فشلًا للعلامة، كما أنها لا تتطلب عمل إضافي من المدير الإبداعي ولا تضيف على خطوط الإنتاج ولا تغيّر في التقويم التقليدي للموضة، فبالتالي لا مخزون خاص ولا إعادة توقيت، المسألة كانت تحتاج فقط لطريقة إعادة تنسيق خاصة بحيث تظهر التصاميم متناسقة مع الأجواء الرمضانية

نجاح الأداة لم يكن فقط لأنها فكرة آمنة لكلا الطرفين بل لأنها قدمت للعميل حل لمشكلة كثرة الخيارات وتعدد المناسبات، وهذا دفع العلامات الفاخرة لأخذ خطوة متقدمة وتقديم تصاميم حصرية واختبار مساحة أوسع من رمضان بشكلٍ محسوب. كانت المنصات تستثمر في هذه الأداة بطرق مختلفة مثل الجمع بين مصممين الأزياء الإقليميين والعالميين، وتستند في كل مرة على البيانات التي تجمعها من البحث والسلوك «سيرتش آند براوز» حيث كانت كلمات مثل «أكمام طويلة» و«فساتين طويلة» و«ملابس محتشمة» و«ملابس للمناسبات» تتكرر بشكل مستمر. كانت المنصّات تعرف بدقة أي القصّات تُباع أسرع وأي الأسعار تنجح وأي العلامات تُطلب في رمضان دون خصومات، وبالطبع كانت تشارك هذه البيانات مع العلامات الفاخرة وهو أمر نستطيع تعقبه من خلال انتقال الـ «ايديتس» من قطع مختارة بعناية إلى قطع حصرية في الفترة ما بين 2017 وحتى 2019

في نفس هذه الفترة، ما بين 2017 وحتى 2019، وجدت العلامات الفاخرة وسيلة أخرى لدخول رمضان، وهي إقامة الفعاليات. كانت العلامات الفاخرة، وتحديدًا دور المجوهرات، تستضيف العملاء والشخصيات المؤثرة والثقافية للإفطار أو السحور، وأحيانًا تكون فقط تجربة ضيافة فاخرة مع عرض لقطع مختارة، وتختار مسميّات قريبة من أجواء الشهر لإقامة الحدث مثل «مجلس» لمحاكاة عنصر الترابط والاجتماع الخاص برمضان. كانت تسعى العلامات من خلال هذه الفعاليات إلى صناعة حضور ممتد في الشهر يشمل تعميق العلاقة مع العميل المحلي ورفع تجربة الخدمة داخل المتاجر وكسب الثقة من خلال المشاركة الاجتماعية بعيدًا عن الاستهلاك الثقافي والموسمي، كما كانت غالبًا تأمل أن تكون هذه الفعاليات وسيلة للحصول على شرعية التصميم الخاص لرمضان وسط الانتقادات والخطابات الثقافية، ولكن الأكيد أنها كانت تريد أن توصل رسالة مفادها أنها تعي طبيعة رمضان وخصوصيته وأنها ليست هنا للاستفادة المادية منه فقط. وبالفعل، اختلفت طريقة استثمار العلامات برمضان في هذه الفترة تحديدًا، وبدأت بإطلاق الحملات والدعايات القصيرة وحتى الفعاليات لإطلاق منتج معين، مثل العطور. بطبيعة الحال، مهدت الـ «ايديتس» الرمضانية هذا الطريق بشكلٍ كبير، ولكن رغم تطوّرها لتشمل قطعًا حصرية وتعديلات إنتاجية محدودة، إلا أنها بقيت محصورة في إطار المنصة، وبالنسبة للعلامات لم تكن قادرة وحدها على إدارة موسم يتطلب تحكّمًا كاملًا في التوقيت والمنتج والسردية والعلاقة مع العميل

طرقت الجائحة أبواب العالم، وفقدت الموضة الفاخرة تقريبًا كل أدواتها التقليدية في التعامل مع رمضان، مثل الاعتماد على السفر والتسوق السياحي في لندن وباريس وإقامة الفعاليات المصاحبة محليًا وتردد العملاء على الأسواق والمتاجر نظرًا للحجر الصحي، ولكنها مع بداية 2020 كانت قد راكمت بالفعل تواجدها في الشهر خلال السنوات الماضية لتصبح مشاركتها ليست فقط متوقعة بل منتظره. وهنا ظهرت مرحلة أخرى وأكبر شهدنا فيها تقديم المجموعات الرمضانية بشكلٍ رسمي دون الاعتماد الكلي على الـ"Edits"، بدأت الكثير من العلامات الفاخرة مثل «برادا» و«فيندي» و«ديور» و«لورو بيانا» بإصدار أولى مجموعاتها الرمضانية الخاصة بالشرق الأوسط، واستمرت موجة المجموعات الأولى حتى 2022 مع دخول «بالينسياغا» و«لويس فيتون» و«بوتيقا فينيتا» وغيرها إلى الساحة الرمضانية مستعينة بنجوم محليين، كانت مجموعة «نجوم» من «غوتشي» الأبرز بين كل تلك المجموعات حيث صوّرتها العلامة وسط أجواء تشبه الأجواء الرمضانية بشكلٍ كبير، كما لاقت ردة فعل إيجابية من الجمهور على الإنترنت الذي وصفها بأنها تظهر حجم المجهود عكس باقي مجموعات العلامات الأخرى. كانت هذه المجموعات لا تقدم تصاميم بطابع رمضاني واضح لكنها كانت تعتمد بشكلٍ كبير على الحقائب والأحذية والموديلات اللمّاعة والطويلة مع تركيز عالي على الصحراء والمباني باللون البيج الفاتح والسجاجيد الملونة كعناصر بصرية تشير إلى أجواء رمضان في الصور والحملات الدعائية، كما كانت العلامات تعتمد بشكلٍ كبير على إعادة صياغة تصاميمها الكلاسيكية ورموزها الخاصة لرمضان حتى لا تقع في ورطة الاستيلاء الثقافي، وتستخدم الذهبي والأبيض والبيج والبرتقالي والبني والكحلي والبنفسجي والأخضر بكثافة، كألوان قريبة من العناصر المرتبطة بالشهر وروحانيته. تُظهر بيانات نيت-ايه-بورتر أن الملابس شكّلت 60% من إجمالي إيرادات رمضان 2022، مقابل 27% للأحذية والحقائب، وهو ما يؤكد أن رمضان لم يعد موسم إكسسوارات أو تنسيقات ذكية، بل موسم أزياء جاهزة بامتياز، وهذا التحوّل يفسّر اندفاع العلامات الفاخرة نحو إطلاق كبسولات مخصّصة للشهر بشكلٍ أكبر في 2023

كان لرمضان في ذلك العام اهتمامًا خاصًا من قِبل الموضة الفاخرة، ظهرت «فيرساتشي» بأول مجموعة رمضانية لها، وقدمت «ديور» لأول مرّة مجموعة أزياء رجاليّة لموسم رمضان صممِّت من قبل كيم جونز، كما قدمت «ستيلا مكارتني» مجموعة رمضانية تحتفي باللون الأخضر كرمز إسلامي، وكانت «لويس فيتون» قد قدمت في 2022 أول مجموعة أزياء جاهزة لرمضان بعد أن كانت تعتمد على المنتجات الجلدية. في ذلك الوقت، واستنادًا على ردود الفعل فقط، لم تكن الاستجابة كما تريدها العلامات، عدد لا بأس به من مستخدمي الإنترنت أشاروا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن هذه المجموعات لا تفهم ما هو رمضان وأنها تتواجد فقط من أجل التواجد في الموسم، أحد أشهر المصممات الكويتيات لم تكن تخشى مشاركة رأيها الصارم حيال هذه المجموعات، وعبّرت بوضوح أن هذه القطع لا يشتريها أحد وأنها لا تتناسب أساسًا مع طبيعة الأجسام في المنطقة، كما ذكرت أن العميل لن يدع العلامات المحلية في رمضان من أجل فستان يحمل اسم علامة فاخرة. ملاحظات المصممة الكويتية دقيقة بالفعل، فعام 2023 شهد الكثير من المجموعات الرمضانية المصممة من قِبل العلامات المحلية مثل السعودية والكويتية، وهذه العلامات بطبيعة الحال ستكون أفضل من العالمية في ترجمة جماليات الشهر، كما أنني أرى أن العميل الخليجي كان ولايزال أقرب لشراء قطعة رمضانية من علامة خليجية لكونها تعرف تمامًا المطلوب، والأمر على المستوى الفكري والعاطفي منطقي أكثر

في 2024، استمرت الموضة الفاخرة بالتعامل مع رمضان بنفس المنهجية ولكن مع محاولات لإدارة الصدام الثقافي، حيث قدمت «فالنتينو» أول مجموعة رمضانية تشمل الأزياء الجاهزة وفقًا لمقال في سافوار فير، وفي نفس العام قدمت «لورو بيانا» كبسولة رمضانية مستوحاة من طبيعة العُلا في السعودية تم توزيعها إقليميًا وعالميًا. اللافت في 2024 هو أن كثير من العلامات عبّرت عن رمضان من خلال مفردات تجريدية آمنة مثل الضوء والغروب واللمعان والذهب كمعدن ولون، دون إدخال رموز ثقافية ودينية صريحة، كما أن الكثير من الكبسولات كانت موجّهة للشرق الأوسط لكنها متاحة أيضًا «أونلاين» وأحيانًا في نقاط بيع خارج المنطقة أو أسواق مختارة، مما يشير إلى أن الموضة عادت لاستقبال الطلب على مستوى عالمي في هذه الفترة. كانت الإكسسوارات هي المحور الأساسي داخل مجموعات رمضان 2024، أكثر بكثير من الملابس حتى عندما تكون هناك أزياء جاهزة، كثير من العلامات جعلت الحقائب والأحذية هي أكثر عنصر تعبيري داخل الكبسولة، لأنها أسهل في الشراء، سواءً شخصي أو كهدايا، وأيضًا أقل حساسية ثقافيًا من تصميم زيّ ديني أو ثقافي، وتسمح بتمييز الموسم من خلال اللون والخامة واللمعة دون تغيير لغة العلامة جذريًا. في 2025، أطلقت «توم فورد» أول مجموعة رمضانية للنساء والرجال، ولكنها جاءت في فترة أصبح وجود كبسولة رمضانية ليس كافيًا، حيث بدأ يشعر الجمهور وحتى مؤسسي الوكالات الاستشارية المتخصصين في السلع الفاخرة بأن أغلبية هذه المجموعات تفتقر إلى العمق المفاهيمي، بينما بدأت فعاليات الفطور والسحور تُقابل بحالة من الإرهاق، مع تصاعد الإحساس بأن التعامل مع رمضان يميل أكثر نحو الصيغة التجارية. لم تعد العلامات الفاخرة تعرف كيف تتعامل مع رمضان خصوصًا أنه في كل عام يقترب من مواسم أخرى، مثل رأس السنة، بتوقيته. أصبح العميل يهتم لنية العلامة وهي تدخل إلى رمضان بقدر اهتمامه بالتصاميم المعروضة، كما أن كثافة الكبسولات المتشابهة والفعاليات المتراكمة خلقت حالة إرهاق لدى الجمهور، وجعلت كثيرًا من الإصدارات تبدو بلا موقف حقيقي، وما كان في 2024 حلًا آمنًا، أصبح في 2025 مكرّر وهو ما دفع الجمهور والإعلام للتفكير بالمعنى بدل الشكل

في 2026، كانت قد ارتفعت حساسية المتلقي تجاه النوايا التجارية وأصبح أكثر قدرة على رؤية الفارق بين الحضور الحقيقي والحضور المُفتعل. وفي الواقع، لم يتغيّر تعامل الموضة الفاخرة مع رمضان حتى الآن فهو لايزال يقف عند المستوى الذي وصلت إليه في 2023 في اختزال جماليات الشهر بالذهبي اللامع وشكل الهلال والنجوم والمفاهيم المجرّدة والاكتفاء بمشاركة وجوه سعودية أو خليجية. قدمت «لورو بيانا» مجموعتها الرمضانية هذا العام مع العارضة السعودية أميرة الزهير وقدمت «ميو ميو» مجموعتها مع العارضة السعودية تاليدا تمر، بينما قدمت «كوتش» ميدالية (تشارمز) بأشكال النجوم والهلال، أما «لويس فيتون» فكانت أفضل نسبيًا هذا العام، حيث قدمت سادس مجموعة رمضانية لها بالتعاون مع المصممة اللبنانية ندى دبّس، كانت مستوحاة من كثبان الصحراء العربية، وتشمل ابتكار بخور خاص وصندوق بخور وحقيبة «كابوسين». جاء رمضان 2026 مبكرًا، تقريبًا في منتصف أو أواخر فبراير، وهذا بالطبع أربك التقويم العالمي للموضة لأنه خلق فجوة بين شحنات الخريف والشتاء وبدايات الربيع والصيف، فصار الطلب على القطع الانتقالية مثل المحتشمة والأنيقة وخفيفة القماش ، دون أن تبدو صيفية جدًا أو شتوية، أكثر، وهذا انعكس على التصاميم من ناحية اختيار الأقمشة والقصَّات، كما أن الاتجاه الغالب ليس ألوانًا رمضانية صريحة، بل حياد مستوحى من درجات الرمل مع لمسات «معدنية» خفيفة. كما يأتي رمضان هذا العام أيضًا مع تبعات التباطؤ الاقتصادي في قطاع السلع الفاخرة التي غيّرت الأغلبية العظمى من المدراء الإبداعيين وأثرت بشكلٍ كبير على القوائم المالية، هذا بالطبع انعكس على المجموعات الرمضانية حيث نستطيع أن نرى بوضوح أن العلامات تسعى لإقناع العميل من خلال تقديم تصميم قادرة على أن تكون مناسبة أيضًا لما بعد الموسم. الجدير بالذكر هو أن «شانيل» و«ايرميز» لم تدخلان الموسم الرمضاني حتى الآن، والسبب قد يكون لأنهما لا تعملان بمنطق الاستجابة بل بمنطق الندرة وهذا يتعارض مع رمضان كموسم وذروة اقتصادية بشكلٍ خاص وفكرة اللاموسمية بشكلٍ عام، حيث تعتمد «ايرميز» على بناء قيمتها من خلال الزمن الطويل، أما «شانيل» فتحمي نفسها من خلال الاستمرارية لا التكيّف الموسمي، كما أن العميل الخليجي موجود لديهما قبل وبعد رمضان والخطأ الثقافي سيبقى تأثيره السلبي طويلًا في تاريخ هاتين العلامتين، وهكذا يمكن قراءة امتناعهم عن رمضان وعدم تقديمهم لمجموعات أو كبسولات خاصة به

اليوم، هذه العلامات بحاجة إلى شرعية ثقافية حتى تقدم مجموعاتها، أو كبسولاتها، الرمضانية، ولذلك تأتي نبرة التصاميم منخفضة جدًا ومكررة وتتبع إما الصورة النمطية والسطحية عن الشرق الأوسط أو رموز العلامة الكلاسيكية حتى لا تقع في مأزق الاستيلاء الثقافي، وهي أيضًا تحاول أن تضع الشخصيات المحلية المؤثرة والعارضات العرب في الصورة مع القليل من التعاونات حتى توحي بأنها تنطلق من المنطقة الخاصة بالعميل الرمضاني وليس من موطنها الأصلي. ولكن كل هذه الوسائل، باستثناء التعاونات الفنية، لم تعد كافية اليوم، وهي لم تكن بأي شكلٍ من الأشكال مبررًا لاقتحام رمضان بهذه الطريقة والكثافة. تتجنّب العديد من العلامات مسألة التعاون داخل المجموعة مع شخصية محلية إبداعية وهذا بالطبع يعود لصعوبة اختيار شخصية تمثّل رمضان أو تتحدث باسم رمضان، فهذا الشهر، وإن كان الجميع يتفق على روحانيته الخاصة، إلا أن طريقة عيشه وثقافته تختلف نسبيًا من بيئة إلى أخرى، ولا يمكنك مقارنة رمضان في السعودية برمضان في مصر أو المغرب أو حتى عمان، فكل دولة لها رمضانها الخاص، وهنا يصعب على العلامات أن توجه رسالتها أو سردها من خلال شخص أو زاوية واحدة نظرًا لتعدد جنسيات العملاء والجمهور

بعد هذا السرد لتاريخ موسم رمضان منذ نشأته في الموضة العالمية وحتى 2026، يمكننا أن نرى بوضوح أن نسبة استفادة العلامات الفاخرة من رمضان لا توازي نسبة الأثر الثقافي الذي تتركه في المنطقة بعد الموسم. ولذلك، تبدو الحاجة ملحّة لوضع معايير للتعامل مع رمضان تمكّنا من تبادل المنفعة، مثل الاستثمار الثقافي طويل المدى في مجالات مختلفة تشمل التعليم والتدريب والتصوير والإنتاج والفن والسينما والموضة والحرف اليدوية وإشراك الفنانين والمصممين والمبدعين كمؤثرين على ناتج المجموعة، كما يجب على الموضة الفاخرة أن تدخل إلى رمضان كشريك مساهم من الناحية التجارية والثقافية. الأثر الثقافي هنا هو أن تُستدعى التجربة لاحقًا وتُناقش وتؤثر على قرارات مجموعات الموسم التالي، وهو أن تغادر العلامات الفاخرة إلى موطنها بعد رمضان تاركةً بُنية مستمرة للمرة القادمة

فريق التحرير: غادة الناصر، دانة النعيم، هاجر مبارك، منار الأحمدي، وجدان المالكي

منسوج، لكل ما يخُص قطاع الأزيـاء المحلي


كن أول من يعرف

تحديثات أسبوعية تبقيك في صدارة أخبار وثقافة الأزياء السعودية


Comments

Avatar

or to participate


آخر الأخبار