لرمضان حياة خاصة، تختلف فيها طريقة العيش بشكلٍ كامل تقريبًا لدرجة أن حتى الاتصال الهاتفي بعد منتصف الليل يصبح مبررًا. وبالطبع، اختلاف المواعيد والأوقات ونظام الأكل والحياة الاجتماعية يعني أن أول ما سيواكب هذا النظام المتغيّر هو ما نرتديه. ولأن قطاع الأزياء موسمي بطبعه ويبدأ بالتحضير للموسم قبل أشهر من حضوره، فكان هناك سؤال أساسي لدي عن ماهية «الأزياء الرمضانية» في السعودية، وما الذي يُصنف كزيّ رمضاني وكيف يمكننا قراءة مجموعة أزياء رمضانية وتحليلها ونقدها. المسألة في الواقع ليست وجودية، فالإجابة حاضرة ومألوفة ومتفقٌ عليها ولكن بشكلٍ ضمني ولم تتحوّل بعد إلى كلمات دقيقة أو مواصفات معيارية يمكننا الإنطلاق منها، وهذا ما أرى وجوب الوصول إليه خصوصًا في هذه المرحلة التي نبني بها أساسيات الموضة السعودية
طرحت هذا السؤال على الجميع، سألت الجمهور (أو المستهلكين في هذه الحالة) وأيضًا مصممي ومنسقي الأزياء على مواقع التواصل الاجتماعي، «ماهي العناصر التي تصنع مجموعة أزياء رمضانية؟»، وكان هناك شبه اتفاق جماعي على أنها يجب أن تكون محتشمة وبقصَّات واسعة، ولكن هذه الكلمات فضفاضة جدًا في الموضة ولن تقبلها طبيعة رمضان ذات الأنماط الواضحة والمحددة، حيث أن هذه العناصر موجودة حتمًا في مجموعات «ذا رو» وأيضًا «مايكل كورس» على سبيل المثال، ويمكنك أن تجدها بشكلٍ اعتيادي اليوم في عروض أزياء باريس وميلانو والرياض، وهذا ما يجعل هذه الكلمات غير دقيقة بما يكفي ليتم تعميمها على أزياء رمضان. هذا بالطبع لا يعني أن الجمهور أو المصممين غير واعين لهذه النقطة، ولكن بالتأكيد كان هناك افتراض ضمني بأنني كنت أقصد العناصر المهمة ضمن الصورة المتفق عليها لأزياء رمضان وهي الجلابيات النسائية والأزياء السعودية التقليدية مثل الكرتة والمِقطع وغيرها
ولكن في نفس الوقت، قدمت العلامات السعودية مجموعاتها لرمضان 2026، وكانت مجموعة منى الشبل التي أطلقت عليها اسم «غبقة» غير منطقية إلى حدٍ كبير، ليس من المنظور الجمالي أو الابداعي، بل من ناحية مدى ارتباطها بالأزياء الرمضانية كأزياء تقليدية، خصوصًا مع ظهور الدانتيل والكورسيه حيث كانت احتمالية ارتباطها بالعصر الإدواردي لربما أكثر من رمضان. يجدر بي أن أذكر جانبًا آخر كان واضحًا في المجموعة وهو اعتمادها على المخمل وألوان مثل الذهبي والبني والعودي، وهو مدلول على أن المصممة تطرح مجموعتها مع محاولة لصنع صيحة خاصة بالشهر مع استجابتها للجماليات المرتبطة به. هنا مؤشر على أن الصورة الضمنية لأزياء رمضان المرتبطة بالإرث الملبوس قابلة لإعادة التفسير بطريقة «عالمية» جدًا، لاسيما من مصممة مثل الشبل صاحبة التأثير الملحوظ على السوق المحلي. هل هذه مشكلة؟ نعم، ولكن يصعب علينا أن نتجاهل رغبة المصمم في دمج تصاميمه مع ما يسمى بـ «اللغة العصرية» واحتمالية وجود رغبة بتقديم قطعة تعيش حتى بعد رمضان وتناسب مجتمعات مختلفة
من مجموعة منى الشبل الرمضانية
تعليقات الجمهور ومنسقي الأزياء كانت تحمل بعض الاقتراحات التي يمكنني بسهولة أن أضعها تحت خانة «الرأي غير الشائع» إذ احتوت على عناصر مثل «الهوية الشرقية» وهو على الرغم من كونه يجعل مُختلف الأزياء التقليدية تتقاطع بطريقة غير منطقية وبلا سياق؛ إلا أننا نستطيع رؤية هذا الاقتراح في مجموعة «أباديا» الرمضانية المستوحاة من المملكة المغربية، وهو أمر يتعارض مباشرةً مع هوية العلامة التي تقدم نفسها ككيان مُلتزم بالحفاظ على الحرفة اليدوية في شبه الجزيرة العربية. شخص آخر طلب أن يكون هناك تنوّع أكثر واستخدام تصاميم مثل «الجمبسوت» وخامات مثل «الدينم»، وأرجح أن ندرة هذه الاقتراحات تأتي بسبب عدم رغبة الأغلبية في الابتعاد عن الروح الثقافية في رمضان، ولكن عشّاق الموضة الحديثة طبعًا سينظرون للغد وليس للماضي

من مجموعة علامة أباديا الرمضانية
مسألة «ما هو الزي الرمضاني» قبل أن أطرحها على مواقع التواصل الاجتماعي، كنت قد ناقشتها مع عدد من محرّرين ونقاد الأزياء في السعودية، مثل هديل حسين ومشاعل الدخيل، وبقدر ما كان النقاش مثريًا إلا أنه كشف لي أنه لم يُناقش بدقة من قبل بل قوبل بالإفتراضات الضمنية والإعتماد على الجماليات التي تكرّرت على مدى السنوات الماضية. وأنا أيضًا لم أختزل السؤال على الجمهور والمتخصصين، بل اغتنم فرصة إفطاري مع جدتي في أول يوم من رمضان لأسألها نفس السؤال ولكن بصيغة أخرى، قلت لها «ماذا كان يرتدي الناس في رمضان؟» وأجابت وهي تشير إلى ذاتها: «مثلما أرتدي الآن.» وقد كانت ترتدي مِقطَعًا أبيض مخططًا، وبعد هذا السؤال دار حديث مطوّل بين أفراد العائلة عما كان يرتدي الناس سابقًا في مكة والقصيم، والجميع بدأ يُخرج ما كان مختبئًا في ذاكرته، واستمر الحديث ماتعًا حتى بعد صلاة التراويح. تعرف جدتي اهتمامي بصناعة الأزياء، ولكن الحنين المرتبط بذكرياتها مع رمضان والملابس التقليدية كان أكبر من أن يتحوّل الحديث بيننا إلى نقاش فكري لتغذية مقالاتي، ولذلك لم أحظى بالكثير من المعلومات الدقيقة منها عن مظهر المرأة الرمضاني في السعودية سابقًا ودوافعه، ولكن لا بأس؛ أعرف امرأة أخرى ستجيب على هذا السؤال
هذا الشهر بقدر ما يدفعك إلى الدخول في حالة من الهدوء والتأمل والروحانية إلا أنه في مواضع أخرى يدفعك إلى الحركة وخوض الحياة الاجتماعية، مثل الزيارات العائلية واعداد الإفطار أو السحور وحتى التجوّل في المناطق الشعبية مثل البلد في جدة أو المعيقلية والتعمير في الرياض. كلا جانبي رمضان يميلان إلى أن يكون الزي الرمضاني عملي في المقام الأول، وهو عنصر غاب بشكلٍ نسبي مقارنةً بعنصر الاحتشام عن صندوق تعليقات الجمهور، وغالبًا كان ذلك نتيجة ربط العملية بالقصِّات الواسعة وهذا الربط أيضًا غير دقيق بالنسبة للموضة وليس بديهيًا، حيث يمكنك أن تلقي نظرة على آخر مجموعات «فالنتينو» الراقية، خصوصًا تلك التي قدمها المصمم الإيطالي «بييرباولو بيتشولي»، وترى أن القصَّات الواسعة قد تأتي مثقلة بالتطريز والشك أو طبقات «الشيفون». وعلى الرغم من أن العملية والوظيفية كانت عناصر أساسية في الأزياء التقليدية أصلًا، إلا أننا لا نستطيع أن نغفل عن عنصر الأناقة الرفيع المتجذر في الهوية السعودية، فبالتالي أصبح الآن المتوقع من الأزياء الرمضانية إما أن تجمع العملية والأناقة أو أن تقدم العلامة مجموعة تحتوي على كلا العنصرين
تقريبًا، كل عنصر كان يختاره الجمهور كان يمكنني بسهولة أن أراه في تصميم أوروبي أو أمريكي لا علاقة له برمضان، وهذا يعني أن العملية والحشمة والأناقة والقصَّات الواسعة والهوية الشرقية لا تستطيع أن تنتج لنا زيّ يُقرأ كزيّ رمضاني إلا عندما تعمل ضمن الأنظمة التي كوّنت الأزياء التقليدية، فبالتالي، الزي الرمضاني ليس مجموعة عناصر أو خصائص بل تصميم يتطور دون أن ينقطع عن النظام التصميمي للتراث، أي منطق بناء القطعة وعلاقة القماش بالجسد والوظيفة والرمزية الاجتماعية. يمكننا أن نرى ذلك في مجموعة نورا آلالشيخ الرمضانية لهذا العام، إذ استخدمت المصممة التراث، بقصَّاته الانسيابية والتطريزات وأيضًا والأقمشة المريحة العملية، كقاعدة أساسية لها مبتعدةً عن نهجها التفكيكي والإفراط في عصرنة القطعة رغم استخدامها لـ «الكورسيه» في تصميمين تقريبًا
ذهبت إلى د.ليلى البسام، الخبيرة في مجال التراث وأستاذ تاريخ الأزياء والمنسوجات التقليدية، لأثبت نظريتي أكاديميًا، سألتها «ماذا كان يرتدي النساء والرجال سابقًا في رمضان؟» وأجابت: «بعد ترك الأزياء التقليدية بسبب التطور الذي حصل بعد إكتشاف النفط وانفتاح المجتمع على العالم تركت المرأة السعودية أزياءها التقليدية وتدرجت بالانتقال للأزياء الحديثة لكن مع المحافظة على المظهر المحتشم الذي ميزها. ارتدت الفساتين الطويلة ذات الأكمام الطويلة بأقمشة أوروبية عالية الجودة وكذلك التنانير الطويلة وفي نفس الوقت تابعت الموضة من خلال الكتالوجات العالمية.» وتكمل: «بالنسبة لرمضان لم يكن يختلف اللبس فيه عن اللبس في الشهور الأخرى.»

د.ليلى البسام
كشفت لي عملية البحث هذه أن الذاكرة السعودية تشهد بأن رمضان لم يُميّز بزيّ خاص في السابق، فجدتي أيضًا ذكرت لي أن الجميع كان يرتدي ما يرتدونه دومًا ولكن ربما تكون جديدة احتفاءً بالشهر، وهذا تقريبًا عكس ما يحدث اليوم، فغالبًا يعيش الجميع طوال السنة بأزياء متنوعة، بين تقليدية وعصرية، أما في رمضان يعود الأغلب إلى الجلابيات والثياب نساءً ورجالًا. هذا يعني أن المرأة السعودية عندما تركت الأزياء التقليدية في الماضي، اختارت أن تعود إليها من خلال رمضان وهذا نمط موسمي موجود في يوم التأسيس واليوم الوطني، وعلى الرغم من أن العودة إلى الأزياء التقليدية في هذه المناسبتين مفهومة ومنطقية ومدعومة برغبة الإعتزاز بالهوية والثقافة، إلا أن العودة إليها في رمضان تبدو اتفاقًا ضمنيًا وتراكمًا لتوجّه حديث نسبيًا قد يحمل نفس الدوافع. تقول لي د.البسام
«بدأ الاهتمام بلبس الأزياء التقليدية في رمضان منذ حوالي 25 عام أو أكثر وكانت تأتي من لبنان، كما أذكر أن المصممة البحرينية كبرى القصير كانت تعرض ثيابًا مصنوعة في الهند في «هارفي نيكلز» لرمضان.» وكان هذا كافيًا ليدفع د.البسام لتعزيز هذه الموجة. تُكمل: «بدأت مرحلة التصميم والتنفيذ لمجموعة سنوية رمضانية سميتها «طراز»، كانت بدايتها عام 2001 واستمريت حوالي 15 سنة ونجحت فعلًا في تطوير الأزياء التقليدية السعودية بحيث تعكس روح الزي السعودي.»
العودة إلى التراث هو نمط شائع في رمضان، ليس فقط على مستوى صناعة الأزياء بل حتى في الصناعات الإبداعية الأخرى مثل التلفزيون، حيث يمكنك أن تلاحظ بوضوح كثرة المسلسلات التي تدور أحداثها في حُقب الماضي والبرامج التي تستخدم الطابع التقليدي في الديكور، وهنا إشارة على أن رمضان تحوّل تراكميًا من موسم مرتبط بجماليات محددة مثل الهلال والفانوس والسجاد واللون الذهبي إلى موسم نستذكر من خلاله شكلنا الأصلي وقصصنا. ولا تستخدم هذه الأعمال الماضي كزمن درامي وجماليات فقط، هي أيضًا تسعى بوضوح إلى أن تؤرخ اللهجات والعادات والتقاليد إلى جانب تطوّر اللبس في المملكة. وبطبيعة الحال، هذا الأمر يأتي معه قواعده الخاصة التي تحدد المظهر الرمضاني المعاصر، تقول لي د. البسام عن كيف يجب أن تكون مجموعات الأزياء الرمضانية اليوم: «أهم شيء أن يعكس التصميم المستمد من التراث الاحساس بالأصل. أنا في تصميماتي حافظت على الخطوط وخلطت بين أكثر من زيّ. فمثلًا قدَّمت العباءة بكم الثوب، وغيرت في الألوان والأقمشة، واستخدمت التطريز اليدوي بنفس الزخارف وبألوان تتماشى مع لون القماش الحديث. حتى في النسخ المطابقة، غيرت القماش من القطن إلى الحرير ولكنني لم أبتعد عن الأصل أبدًا، وقد يكون ذلك لأن هدفي كان إثبات أن التراث قابل للاستخدام العصري.»
رؤية د. البسام تعلمنا أن «الزي الرمضاني» لا يخضع لقوانين أو جماليات خاصة برمضان فقط، بل مرتبطًا بالأزياء التقليدية واشتراطاتها، حيث تؤكد لي الأستاذة والدكتورة، التي تعد من أوائل السعوديات اللواتي وثقن تاريخ الأزياء في السعودية، أن ما «يميز تراثنا الخطوط التفصيلية والمحافظة عليها شيء مهم، كذلك الألوان والزخارف، ولكن التحديث بالأقمشة يساعد على إيجاد التنوع وهو مطلب أساسي في التحديث.» وتكمل: «بالنسبة لتصميماتي كانت تقتنى من الشخصيات المهمة وأعلى مستوى في البلد. كما اقتنتها شخصيات من السلك الدبلوماسي الغربي، مثل زوجة السفير الإيطالي وموظفة كبيرة في السفارة الأمريكية.» في إشارة منها إلى أن الأزياء السعودية التقليدية ليست بحاجة إلى عصرنة مبالغة بها أو لغة عالمية حتى تتجاوز حدودها الجغرافية وتوصل قيمتها ومعناها لأي مكان. يمكننا اليوم، عند قراءة الأزياء الرمضانية، أن ننطلق من قاعدة نقدية مبنية على ثلاثة أبعاد مترابطة، وهي درجة وعي التصميم بالمنظومة البنيوية للأزياء التقليدية وخطوطها ووظيفتها سواءً من خلال الامتداد التاريخي أو إعادة التفسير، ومستوى التحديث المسؤول الذي يسمح للقطعة بأن تندمج في الحاضر اجتماعيًا وجماليًا وإنتاجيًا دون اختزال التراث إلى زخرفة معزولة عن منطقه البنيوي وسياقه الاجتماعي، ومدى استجابة التصميم لحياة رمضان سواءً الاجتماعية أو الخاصة. وطالما أن الزي الرمضاني، بالتعريف الذي توصّلنا إليه، عبارة عن تراكم الزمن والتراث، فيمكن استخدام هذه القاعدة لقراءة الزي التقليدي المعاصر خارج رمضان أيضًا
وأخيرًا في ظل التواجد المكثف للعلامات العالمية الفاخرة في موسم رمضان، مثل «ديور» و«فندي»و«لوي فيتون» و«قوتشي» وغيرها، لم أغفل عن سؤال آخر مهم، سألت الدكتورة عن الذي يجب أن تحرص عليه هذه العلامات عندما تقدم مجموعة رمضانية، وأجابت بشكلٍ صارم ومختصر
«حتى العلامة العالمية يجب أن تدرس التراث السعودي وتستمد منه وتحافظ على روحه في تصميماتها.»

فريق التحرير: غادة الناصر، دانة النعيم، هاجر مبارك، منار الأحمدي، وجدان المالكي
منسوج، لكل ما يخُص قطاع الأزيـاء المحلي
