يأتي إطلاق صندوق «زيّا» برأسمال يبلغ 300 مليون ريال سعودي كشراكة استراتيجية بين الصندوق الثقافي وشركة «ميراك كابيتال»، ليمثل أول استجابة استثمارية مؤسسية تستهدف دفع عجلة نمو قطاع الأزياء في المملكة وسد فجواته المالية، وهو التحول الاستراتيجي الذي كنا قد [تناولنا تفاصيل إطلاقه في تغطيتنا السابقة]
وفي «منسوج»، ومن منطلق التزامنا بمواكبة التحولات التي تشهدها صناعة الأزياء السعودية، وجّهنا استفساراتنا مباشرة إلى إدارة الصندوق الثقافي وبالتنسيق مع الشريك الإداري «ميراك كابيتال» لنقدم لكم في هذه المادة قراءة تشرح آلية عمل الصندوق، والشروط الفعلية للجاهزية الاستثمارية
وقد استندت قراءتنا بدايةً إلى مراجعة المعطيات الرسمية التي أعلنها الصندوق في الصحافة الدولية (دبليو دبليو دي)؛ والتي تلخّصت في السعي لضخ رأس مال يستهدف الشركات في مرحلة النمو عبر كامل سلسلة قيمة القطاع، بما يسهم على المدى الطويل في تقليص الاستيراد السنوي البالغ 7 مليارات دولار عبر تمكين التصنيع المحلي والخدمات اللوجستية، ورفع مساهمة قطاع الأزياء والتجميل في الناتج المحلي الإجمالي إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2029
ويعمل صندوق «زيّا» على تعزيز وصول الشركات الواعدة في القطاع إلى الفرص الاستثمارية. وتخضع جميع الفرص الاستثمارية لعمليات تقييم ودراسة متكاملة وفق معايير استثمارية وتجارية تشمل جاهزية الأعمال وإمكانات النمو والاستدامة. ويركز البرنامج على الشركات العاملة في تصميم وإنتاج الأزياء والإكسسوارات، وتطوير سلاسل الإمداد، والتجارة الإلكترونية بما يشمل مستحضرات التجميل والعطور والمجوهرات
لماذا التركيز الاستثماري على الأزياء المحتشمة والعطور والجمال والمجوهرات؟
اختيار هذه الفئات الأربع استند إلى ركائز مالية وثقافية تضمن العائد الاستثماري والقابلية للتوسع الدولي، وهي المساحات التي تتقاطع فيها الهوية المحلية مع فرص النمو التجاري. ففي قطاع الأزياء المحتشمة يرى الصندوق فرصة نوعية للربط بين فرصة لتحويل التعبير الثقافي المحلي إلى منتج قابل للتوسع عالميًا، مما يحول الخصوصية الثقافية السعودية إلى ميزة تنافسية قابلة للتصدير. أما قطاعا العطور والتجميل، فيتميزان بمعدلات ولاء عالية جداً من قبل المستهلكين، بالإضافة إلى مرونة نماذج الإنتاج والتوزيع وقابليتها للتوسع السريع والوصول لشريحة أكبر من العملاء. وينطبق الأمر نفسه على المجوهرات، إذ تفرض حواجز الدخول المرتفعة حماية طبيعية ضد التقليد السريع، وتسمح بتسعير مرتفع يضمن عوائد مستدامة
هذا التركيز الفئوي تدعمه أرقام السوق التي تضع المملكة في الصدارة، حيث تستحوذ وحدها على نحو 40% من إجمالي صناعة الأزياء في منطقة الخليج. ومع مستهدفات القطاع للوصول بالمساهمة الإجمالية للأزياء والتجميل في الناتج المحلي الإجمالي إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2029، فإن الرهان الاستثماري يتجه بوضوح نحو الفئات التي تقود قطاع الفخامة، والتي يُتوقع أن تشكل ما لا يقل عن 15% من هذه القيمة الإجمالية
إذا كانت الأولوية الاستثمارية تتجه نحو العلامات التجارية، فأين تقع المُمكّنات داخل هذه المعادلة؟
عند النظر إلى طريقة توزيع أموال الصندوق، نرى أن هناك رغبة واضحة في ضخ استثمارات كبيرة قادرة على إحداث نقلة نوعية في الشركات المستهدفة. وفي حوارنا مع إدارة الصندوق، حُسمت الأولوية لصالح العلامات التجارية، التي ستحمل الثقل الأكبر من هذه المحفظة. وفي المقابل، يمتد نطاق الصندوق ليشمل قطاع «المُمكّنات» عبر كامل سلسلة القيمة (بدءاً من التصنيع واللوجستيات وصولاً إلى منصات التجارة الإلكترونية)
Advertisement
مع تفضيل الصندوق لـ «مرحلة النمو» وتجنب مخاطر المراحل المبكرة، هل يشترط حداً أدنى من الإيرادات السنوية لاعتبار العلامة مؤهلة للتمويل؟
يعتمد الصندوق نموذج تقييم شمولي يتجاوز اشتراط حد أدنى ثابت للإيرادات السنوية، ليفحص واقع المنظومة التجارية بالكامل دون اختزالها في رقم مبيعات معين. وبموجب هذا النهج، يتمحور قرار التمويل حول رصد «مؤشرات النضج التجاري» كمؤشر على قابلية العلامة للتوسع، وتحديداً: استقرار الإيرادات ونموها التصاعدي، جودة قاعدة العملاء ومعدلات تكرار الشراء، ووضوح مسار الربحية الفعلي
وتتحول هذه المؤشرات إلى أداة اختبار ذاتي تفحص بها العلامة واقعها التشغيلي قبل خطوة الاستثمار: هل يستمر الطلب بعد انقضاء زخم الإطلاق؟ هل تتحرك المبيعات في سياق نمو مستقر أم نمط متذبذب؟ وهل القدرة الإدارية مؤهلة تشغيلياً إذا تضاعف حجم العمل؟
إذا تحقق هذا النضج التجاري، كيف يُرسم الأفق الزمني للشراكة وماذا عن التخارج؟
يعمل الصندوق وفق آليات الملكية الخاصة بمستهدف زمني محدد ضمن مرحلة تُعاد خلالها هندسة الشركة مالياً وتشغيلياً استعداداً للتوسع
وعند نضج الشراكة، تتوزع خيارات التخارج المستقبلية بين مسارين رئيسيين وفقاً لجاهزية الشركة وظروف السوق: مثل «الاندماج والاستحواذ» عبر بيع الحصص لمستثمرين استراتيجيين ومجموعات فاخرة تسعى للتوسع الإقليمي، أو «الطرح العام الأولي» بإدراج أسهم العلامة وتداولها في السوق المالية السعودية (تداول أو نمو)
بعد الضخ المالي، ما هي القيمة الاستراتيجية والتسهيلات التي يقدمها التحالف بين الصندوق الثقافي وميراك للعلامات؟
ولا تقتصر الشراكة بين الصندوق الثقافي و«ميراك كابيتال» على توفير رأس المال فحسب، بل تمتد إلى دعم الشركات المستهدفة عبر الخبرات الاستثمارية والإدارية التي تسهم في تعزيز جاهزيتها للنمو والتوسع. ويعزز هذا المسار مجلس إدارة يجمع بين النفوذ المؤسسي والخبرة الدولية؛ برئاسة معالي نائب وزير الثقافة حامد فايز، وعضوية الرئيس التنفيذي للصندوق الثقافي ماجد الحقيل (نائب رئيس مجلس إدارة صندوق زيا)، وعضوية كل من الرئيس التنفيذي لهيئة الأزياء بوراك شاكماك، والمؤسس والرئيس التنفيذي لميراك كابيتال عبدالله التمامي، إلى جانب رافي ثاكران، رئيس شركة "تيرميريك كابيتال" والرئيس التنفيذي السابق لمجموعة «إل في إم إتش» الفاخرة في آسيا. هذا التنوع يتيح للعلامات السعودية وصولاً مباشراً لتوجيه استراتيجي رفيع المستوى وشبكة علاقات دولية متخصصة في قطاع الأزياء
وفي المقابل، يمنح هذا الارتباط بـ «الصندوق الثقافي» و«هيئة الأزياء» فرصة للتكامل مع المنظومة الرئيسة للقطاع، إذ يسهّل الاستفادة من برامج الدعم المتنوعة، ويضمن تموضع العلامات المستهدفة ضمن الأجندة الثقافية للمملكة، بالإضافة إلى تعزيز حضورها في الفعاليات الوطنية والدولية الكبرى، مما يسرّع من بناء ثقلها التجاري والثقافي على الصعيدين الإقليمي والعالمي
من واقع مراجعتكم للفرص، ما أبرز الثغرات التي تعيق نضج العلامات المحلية وتمنعها من التأهل للاستثمار؟
رغم نجاح كثير من العلامات السعودية تجارياً، إلا أن العائق الأكبر يكمن في الانتقال من عقلية إدارة علامة ناجحة محلياً إلى بناء مؤسسة مستدامة وقابلة للتوسع، ويُشخّص الصندوق هذا العائق في ثلاثة تحديات تشغيلية حاسمة
أولها، فجوة الكفاءات وغياب الجاهزية الإدارية، حيث يكون الفريق القيادي الحالي ممتازاً لإدارة العلامة بحجمها الحالي، لكنه يفتقر للخبرة اللازمة لقيادة العمليات على نطاق أوسع وإدارة اللوجستيات الضخمة والتوسع متعدد الأسواق، مما يتطلب تطعيم هذه الشركات بكفاءات تنفيذية ومالية متخصصة
وثانيها، إدارة المخزون وسلاسل الإمداد، وهي المنطقة الحرجة التي تفرض نفسها عند التوسع، إذ يتحول هذا الإجراء الروتيني سريعاً تحت ضغط تضاعف الطلب إلى المحرك الحاسم لربحية الشركة أو عائقٍ أمام استدامتها
وثالثها، غياب البنية الرقمية لأنظمة البيانات وتقارير الأداء الفورية، التي يعجز صناع القرار بدونها عن اتخاذ خطوات توسعية مدروسة قائمة على المؤشرات الرقمية بدلاً من التقديرات الشخصية، لاسيما عند إدارة قنوات بيع متعددة ومتزامنة تتوزع بين البيع المباشر، التجارة الإلكترونية، وأسواق الجملة
يرسم «صندوق زيّا» ملامح العهد الجديد لقطاع الأزياء السعودي، ومن واقع نقاشاتنا المستمرة مع طيف واسع من المصممين وأصحاب العلامات في السوق المحلي، يتضح أن جلّ ما تحتاجه الصناعة اليوم يكمن في سد فجوة المهارات الإدارية وبناء القيادات التنفيذية، فالتميز الفني وجماليات التصميم يمثلان خطوة البداية فقط، بينما يتطلب جذب رأس المال المؤسسي وضع الهيكلة الإدارية في مقدمة الأولويات قبل طلب الاستثمار

فريق التحرير: أثير الحربي، خالد المساعد، غادة الناصر، دانة النعيم، هاجر مبارك، منار الأحمدي، وجدان المالكي
منسوج، نُبقيك في صدارة مشهد الأزياء السعودي
