لا شك بأن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم جزءًا من حياة الأفراد، طريقة عمل بعض العلامات التجارية وحتى الشركات. لا يمكن نفي مدى فاعليته في تسريع الكثير من العمليات وتحقيق النتائج. وكإمتداد له، أصبح توليد الصور من خلال الذكاء الاصطناعي منتشراً، حتى وجد طريقه إلى صناعة الأزياء، لتُثير هذه التقنية الكثير من التساؤلات وخصوصاً في الجانب الإبداعي. في هذه المقالة يُجيبني عدد من العاملين في قطاع الأزياء عن عدة تساؤلات إلى جانب قراءة نقدية لموقع هذه التقنية داخل الأزياء اليوم
:توليد صور الأزياء بالذكاء الاصطناعي
حاتم الرشيد مهندس ذكاء اصطناعي وفنان متخصص في توليد الصور، تعاون مع أكثر من ٥٠٠ علامة في السعودية والإمارات وقطر والكويت لإنتاج حملات وصور باستخدام الذكاء الاصطناعي
يرى الرشيد أن الذكاء الاصطناعي لا يُمثل بديلًا للتصوير التقليدي، بل أداة جديدة توسّع إمكانياته، إذ يقول: «الذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليُلغي التصوير التقليدي، بل هو أداة إضافية قوية، والاثنين من الممكن أن يكملان بعضهما البعض» ويُرجع ذلك إلى خبرته السابقة في التصوير، معتبرًا أن نجاح الصورة لا يعتمد على التقنية وحدها، بل على العين البصرية أيضًا.
لماذا التوّجه نحو الذكاء الاصطناعي لتوليد صور الأزياء؟
من وجهة نظر إبداعية، فبيّن لي يزيد أباحسين المدير الإبداعي وصاحب علامة (نوت بورينج) أن تقليل التكلفة والجهود ليستا العاملين الوحيدين لتوّجه العلامات نحو توليد صور الحملات الإعلانية، فالوقت والجهد الكبير في صنع محتوى عنصر مؤثر بشكل أكبر بالنسبة إليه. يقول: «بصراحة، لم يكن القرار إبداعيًا بحتًا ولا اقتصاديًا بحتًا، بل جاء نتيجة مزيج بين الاعتبارين.» ثم يُكمل عن الوقت كتحدّي: «يُعد الوقت أحد أكبر التحديات بالنسبة لنا، فخلال بعض المواسم المرتبطة بمواعيد محددة لا يكون أمامنا سوى عشرة أيام، مما يضطرنا إلى الركض عكس عقارب الساعة للحاق بموعد الإطلاق.»
علامة (نوت بورينج) تُصنّف كعلامة ستريت وير تعتمد على الاصدارات المستمرة، والتعاونات، والمواسم، والأحداث، لذلك فإن ضغط الوقت ليس ظرفًا مؤقتًا، بل نتيجة مباشرة لنموذج عمل العلامة
ومن منظور صاحب العلامة، فيقف بين تحدّي التكلفة والوقت ومحاولة المواكبة في فضاء منصات التواصل الاجتماعي لتقديم محتوى جذّاب وبين التركيز على الأهم وهو "المنتج". يقول أباحسين: «اليوم، تحوّلت العلامات التجارية من شركات منتجات إلى شركات محتوى. نحن نعيش في زخم هائل من صناعة المحتوى، وفي سباق مستمر للفوز بانتباه المتلقي خلال الوقت الذي يقضيه على منصات التواصل الاجتماعي.» يُكمل حديثه قائلاً: «وكما أبذل جهدًا في تطوير المنتج، لا بد أن أبذل الجهد نفسه في إنتاج المحتوى الذي يعرّف به ويسوّقه، وإلا فلن أستطيع لفت انتباه العميل. ولهذا اكتشفنا أننا حتى نتمكن من الوصول إلى العميل، أصبحنا مضطرين لأن نكون أيضًا شركة محتوى، ولكن في النهاية، نحن نبيع ملابس، ولا نبيع محتوى.»

صورة لعارضة تقف في جدة البلد بينما ترتدي قميص (نوت بورينج) من مجموعة كأس العالم والتي وُلّدت باستخدام الذكاء الاصطناعي
صور الحملات الاعلانية تعطي طبقة إبداعية للمحتوى وتصوّر رؤية وروح العلامة، ولكنها حتماً لا تُغني عن كُتيّب المنتجات (الكتالوج) الذي من المفترض من خلاله يُقدم التصميم كـ "مُنتج" على خلفيّة معزولة أو خالية من التفاصيل ليتضح المنتج فقط. يقول أباحسين: «أهم ما أحرص عليه أن يظهر المنتج مطابقًا للواقع. فالعميل يتوقع أن يصله كما رآه في الصورة، لذلك إذا ظهر المنتج بطريقة غير صحيحة، أُلغي الصورة ولا أنشرها. وحتى عندما استخدمنا الذكاء الاصطناعي، كان المنتج مصوَّرًا بالفعل، وكل ما تغير هو وجه العارض.»
أما عن الفرق ما بين توليد صور الحملات الإعلانية وصور المنتجات فيقول الرشيد من وجهة نظره كفنان متخصص في توليد الصور: «صور المنتجات يجب أن تكون مطابقة للمنتج الحقيقي، أما الحملات الإعلانية فلها مساحة أكبر للإبداع. المهم ألا يتغيّر المنتج ولا يُخدع العميل.»

صورة ولّدها فنان الذكاء الاصطناعي حاتم الرشيد لصالح علامة غَيّهَب
لكل نوع من الصور وظيفة مختلفة، ووظيفة صور المنتج هي نقل حقيقة المنتج، لا مجرد تقديم صورة جميلة، فحتى إن استطاع الذكاء الاصطناعي أن يولّد صورة شديدة الواقعية، فإنه لا يضمن أن تعكس الصورة جودة الخياطة، وسلوك القماش، وانسدال التصميم على الجسم وشكله عند الحركة كما هو في الواقع. الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في توليد صور المنتجات قد يُقلل من مصداقية العلامات على المدى البعيد. نعم، لدى العلامة أو المصمم الحرية في استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد صور للحملات التسويقية والاعلانية، أما عند المنتج فمن الأفضل الحفاظ على إظهاره بشكل حقيقي قدر الإمكان
Advertisement
على صعيد الأزياء الراقية، يبدو من الصعب الجمع بين أعلى مستويات الخياطة والحرفيّة في التشكيل والتنفيذ، والتي تتطلب وقتًا وجهدًا وتكلفة مادية كبيرة، وبين صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تقِلّ فيها العلاقة المباشرة بين اليد البشرية والنتيجة النهائية
قد يكون هذا ما يفسّر موجة "العودة إلى الطبيعة" كمصدر استلهام مجموعات الكوتور مؤخراً، فمع تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الصورة، تُصبح الطبيعة الملاذ العضوي أمام حالة التشبع بالصور الخالية من العيوب. في آخر مجموعةٍ قدمتها المصممة الكويتية هدى الجارالله، اعتمدت على الطبيعة كمصدر استلهام لتنعكس أيضاً على صور الحملة التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعية بروحها الحالمة

صورة من مجموعة هدى الجارالله المستوحاة من الطبيعة
لكن تظل هناك مساحات إبداعية تتيحها إمكانات التوليد بالذكاء الاصطناعي، مثل استدعاء الماضي أو بناء عوالم من أزمنة لا نعيشها وتحويلها إلى سرد بصري. طبّقت وعد العقيلي هذه الفكرة في مقطع فيديو لمجموعة "يامال" التي عُرضت في أسبوع الأزياء في الرياض الماضي. في المقطع، تتداخل صور حقيقية للعارضات مع صور تاريخية لغوّاصي اللؤلؤ تم تحريكها و دمجها سوية لتروي القصة كاملة

تم استخدام الذكاء الاصطناعي في الخلفية وتحسين الجو الحالم فقط في هذه الحملة الاعلانية لمجموعة "يامال" من وعد العقيلي
:الأخلاقيات والخط الفاصل
ومع اتساع المساحات الإبداعية التي يفتحها الذكاء الاصطناعي، يبرز جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أخلاقيات استخدامه داخل صناعة الأزياء، فبينما يمكن أن يكون أداة لتوسيع الخيال والسرد، يبقى السؤال حول الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها. يقول أباحسين: «أنا لن أجعل الذكاء الاصطناعي يصمم الملابس عني، فوظيفتي هي تصميم الملابس، وهنا أضع الحد. أما استخدامه في صناعة المحتوى أو الصور الإعلانية فهو مجال مختلف.»
الجدير بالذكر بأن وزارة الإعلام السعودية أصدرت ضوابط تتعلق بالإفصاح الإلزامي لصناع المحتوى والأفراد عن أي محتوى (مرئي، مسموع، أو مكتوب) تم إنتاجه أو تعديله جزئياً أو كلياً بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي تزامناً مع تسمية عام ٢٠٢٦، بعام "الذكاء الاصطناعي" في المملكة العربية السعودية
:حصرية الأزياء مقابل تقنية في متناول الجميع
لتقنية أصبحت في متناول الجميع، كيف يمكن أن تحافظ الأزياء اليوم على بريق "الحصرية"؟ يرى حاتم أن الحصرية لا تعني أن تكون الصورة صعبة الإنتاج، لأن الحصرية في صناعة الأزياء تأتي من الفكرة والهوية وطريقة التنفيذ ويقول: «لا يمتلك الجميع عين المصوّر ولا الفهم التقني الذي يجعله قادراً على بناء حملة متكاملة، لذلك أنا أتعامل مع كل علامة بشكل مختلف من خلال بناء أسلوب خاص بها من ناحية الألوان والإضاءة والمكان والزوايا وطريقة ظهور المنتج، كي تظل النتيجة مرتبطة بهوية العلامة وليست كالنسخ المكررة المنتشرة.»
:الختام
عالم الأزياء قائم بشكل كبير على الصورة، سواء بوصفها مصدراً للإلهام أو وسيلةً لعرض التصميم ذاته من خلال زوايا عديدة. لكن مع هيمنة الذكاء الاصطناعي، الجانب الطبيعي والعفوي والمليء بالروح من لمسة البشر يبدأ في التلاشي أمام هذه التقنية. وربما ستُصبح مسألة وقت حتى يجتاح الذكاء الاصطناعي عالم الأزياء بشكل أوسع، لكن لا يمكن الجزم بذلك

صورة من الأرشيف للشيخة ترفة الشعلان من عام ١٩٢٥م استرجاع ألوانها من خلال الذكاء الاصطناعي ومشاركتها كاجتهاد شخصي من قبل أحد المهتمين بالتراث والثقافة السعودي عبر منصة اكس
يمكن رؤية نماذج اليوم لمحاولة تجديد الصور القديمة أو توظيف معالم اثرية او عناصر من الثقافة والتراث بطريقة تعيد تخيلها بدافع إبداعي، لكن قد يؤدي إلى تشكيل تصور غير دقيق عنها لذهن الشخص المتلقي تراكمياً
وما يزال بيد العلامات استخدامه بوعي، بما يخدم هويتها ويُبقي الرابط بينها وبين العميل من خلال اللمسة البشرية، مع توجيه إمكاناته نحو الجوانب التي يعزز فيها الدقة وتقليل نسبة خطأ التصميم، ليُسهم في الحفاظ على البيئة

فريق التحرير: أثير الحربي، غادة الناصر، دانة النعيم، هاجر مبارك، منار الأحمدي، وجدان المالكي
منسوج، نُبقيك في صدارة مشهد الأزياء السعودي
