ظل الإنسان لقرون يحيك قصته مع اللباس قطعة بقطعة، حتى أزاحت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر نول الحرفة لصالح ماكينة المصنع. ومع حلول الستينات، اكتمل هذا التحول بظهور «الأزياء الجاهزة» التي جعلت الموضة حقًا متاحًا للجميع، لكنها في الوقت نفسه، وضعت حجر الأساس لقطار الاستهلاك السريع الذي لا يتوقف
ظهرت علامات «الموضة السريعة»، وتحول اللباس من حاجة إلى عادة استهلاكية يومية، في متوالية لا تتوقف من الترغيب والاندفاع. وكما يعلّمنا التاريخ الاجتماعي، فإن كل ظاهرة تبلغ ذروتها وتستنفد أقصى طاقاتها، تخلق بالضرورة موجة مضادة تنادي بالنقيض تمامًا، وهذا النقيض هو ما بدأت بوادره تتشكل مؤخرًا، معلنةً بدء رحلة العودة لبندول الأزياء

واليوم، نشهد تحولاً جذريًا يعيد الاعتبار للحرفة وللقطعة المنسوجة بصبر، الباحثة عن القصة والعمق. تلاشت جاذبية الموضة السريعة وتكشّف وجهها المرهق، حيث تتناسخ القطع وتفقد بريقها وتتلف في دورة استبدال عبثية. حتى غدا المستهلك عالقًا في دوامة لا تمنحه شعورًا بالاكتساء، بل تستهلك طاقته مع كل عملية شراء
ولأن البندول الاجتماعي يميل دومًا للتصحيح الذاتي، ظهرت اليوم موجة تقدير لليد، وللزمن، وللإتقان. في المقاهي والمعارض ومنصات التصميم، تتردد مفردات مثل: «مصنوع يدويًا»، «مصدر محلي»، «نُسج على مهل»، «قطعة واحدة فقط»، كتعبير حقيقي عن رد فعل ثقافي عميق تجاه الإنهاك الذي خلّفته الموضة السريعة، متجاوزةً كونها مجرد عبارات تسويقية
تشير بيانات سوقية حديثة إلى أن حجم سوق الحرف اليدوية عالميًا تجاوز 906 مليار دولار في عام 2024، ويتوقع أن يبلغ 1.94 تريليون دولار بحلول 2033 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.8٪، وفق تقرير «قلوب نيوزواير». أما في الولايات المتحدة وحدها، فقد قُدّر حجم السوق بـ268 مليار دولار، ويُلاحظ أن نحو 32٪ من مشتري الحرف اليدوية ينتمون إلى جيل الألفية و«جيل زد»، مما يدل على تزايد واضح في تقدير الأجيال الشابة للمنتجات ذات القيمة المعنوية والحرفية
في المملكة المتحدة، تضاعف عدد الشباب الذين يفضلون شراء المنتجات المصنوعة يدويًا منذ 2006، وتشير دراسة لمنصة «منتل» إلى أن 85٪ من جيل الألفية يفضلون المنتجات المصنوعة بمسؤولية واستدامة
حتى الجيل الجديد، الذي وُلد في ذروة السرعة الرقمية، بدأ يميل إلى القطعة ذات القصة، بات من الشائع أن نرى شابات وشبان يتجهون لحضور ورش الحياكة، أو يتفاخرون بارتداء قطعة صنعتها أمهم أو جدتهم، أو يبحثون عن علامات تحاكي الحرفة التقليدية بجودة عالية. الجودة، لا الكمية، عادت لتكون مقياس الجمال والرضا

هذا التحول يبدو جليًا لدى الجيل الجديد في السعودية، الذي أعاد تعريف الرفاهية لتصبح مرتبطة بأصالة الحرفة ونزاهتها. وقد تجذر هذا الوعي بشكل أعمق إثر إعلان عام «الحرف اليدوية» في 2025، والذي أعاد الاعتبار للقيمة المعنوية والفنية للعمل اليدوي، لينتقل التقدير من حيز الشعور إلى واقع ملموس. إذ تشير أحدث الاستطلاعات من تقرير حالة الأزياء في السعودية لعام 2025 إلى أن أربعة من كل خمسة مستهلكين (80٪) يرحبون بدفع قيمة إضافية لدعم الأزياء التي تعتمد على الحرفيين المحليين. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل يرى الشباب المهنيون في القطاع أن الحرف اليدوية والتعبير الثقافي هما المحرك الأساسي لمستقبل الأزياء السعودية
يُمثل هذا التوجه حالة من الوعي المتأصل أكثر من كونه حنينًا للماضي. فصناعة الأزياء التقليدية كانت دومًا شديدة الاحترام للإنسان والموارد، عبر قطع تُفصّل بعناية لجسد محدد، وتُرتدى بحب، وتُرمم عند الحاجة لتعيش طويلاً بعيدًا عن فائض الهدر
ومع عودة البندول إلى نقطة التوازن، تتجاوز صناعة الأزياء وهم الإنتاج المفرط نحو اختيارات أكثر عمقًا. لقد هدأ اللهاث خلف الكثرة، وبدأ الانحياز نحو المعنى والبطء المدروس، لنؤسس علاقة حقيقية وممتدة مع ما نرتديه، علاقة تحترم الإنسان، وتقدر الحرفة، وترفض أن تُختزل الأزياء في دورة استهلاك عمياء
.هذه المقالة بدعم من مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) وصندوق التنمية الثقافي

مصطلح اليوم
كلمة «جوانتي» دخلت اللغة العربية حديثا واصلها من «كوانتي» وهو مصطلح من أصول ايطالية واسبانية. ويطلق على كل ما يلبس باليدين لحمايتها من البرد أو لأغراض عملية وزخرفية
ويقابلها في اللغة العربية الفصحى مصطلح «القفاز» وفي العامية مصطلح «الدسوس» وهي كلمة معربة من «الدست بان» الفارسية والتي تعني القفاز الطويل المصنوع من الحديد ويرتدى عادة في الحروب
كيف كانت النشرة اليوم
📩أخبـار تهمـك

فريق التحرير: غادة الناصر، سفرعياد، بلسم الغشام، هاجر مبارك، وجدان المالكي
منسوج، لكل ما يخُص قطاع الأزيـاء المحلي

